التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
يعد التلوث البحري على طول السواحل التونسية، من أبرز التحديات البيئية التي تواجه تونس نتيجة الكميات الكبيرة من مياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية التي تصب يوميا في البحر، ما دفع الكثير من الخبراء للتحذير من خطر يهدد التوازن البيئي والحياة البحرية.
محمد الهادي واحد من بين آلاف الشباب التونسيين، الذين يتملّكه القلق من المستقبل، لكنه يمسك بإحكام أدوات الصيد أمام شاطئ خليج قابس جنوب شرقي تونس، في ما يراوده سؤال واحد: هل يستعيد هذا البحر عافيته يوما، فأعود بشباك مثقلة بالأسماك كما كان الحال في السابق؟ فمادة "الفوسفوجيبس" تسببت في تلويثه، وحولته إلى فضاء لم يعد صالحا لا للسباحة ولا للصيد.
محمد الهادي، وهو من أبناء محافظة قابس جنوب شرقي البلاد، اعتاد منذ نعومة أظافره مرافقة والده إلى البحر ومشاهدته وهو يصطاد الأسماك، قبل أن يتقن هذه المهنة التي ظل يمارسها لأكثر من أربعين عاما.

التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية
© Sputnik . Mariam.Gadera
وتعد مهنة الصيد مصدر الرزق الوحيد لمحمد الهادي ولعدد من العائلات التونسية، غير أن التلوث الذي يهدد الكثير من السواحل التونسية، حوّل شواطئها إلى بقع داكنة تنبعث منها روائح كريهة، وتسبب في نفوق الأسماك وتراجع الثروة البحرية. ويقول الهادي لـ"سبوتنيك": "البحر هو حياتنا، منه نتنفس ومنه نعيش كنا حين نرمي شباكنا نخرجها مليئة بالأسماك والمنتجات البحرية الأخرى، أما اليوم فقد نجد أنفسنا دون عمل بسبب نفوق الأسماك".
ويضيف: "أصبح المشهد مخيفا في شاطئ قابس، حيث تعترضك طبقة سوداء من المياه على حافة الشاطئ تمنعك من السباحة والدخول إلى البحر وقد دفعتنا هذه المياه الداكنة إلى قطع مسافات طويلة في عرض البحر، أملا في أن تصيب شباكنا الهدف".
وكان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أفاد، بأن التلوث البحري في تونس يتسبب في خسائر مادية فادحة مرتبطة بالصحة العامة، وتراجع إنتاج الثروة السمكية، وضرب منظومة الصيد التقليدي، مشيرا إلى أنه "من السهل ملاحظة تراجع عدد المقبلين على هذه الشواطئ التي كانت تمثل المتنفس الوحيد للسكان".

التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية
© Sputnik . Mariam.Gadera
شواطئ مهددة
وفي السياق، قال الخبير في الشأن البيئي عادل الهنتاتي، في حديث لـ"سبوتنيك": "تعاني تونس من أزمة التلوث البحري منذ نحو 30 عاما، وتفاقمت تدريجيا مع توسع النشاط الصناعي الممتد من ميناء رادس في العاصمة تونس إلى عدد من المصانع بمحافظة زغوان".
وأضاف: "قائمة الشواطئ غير الصالحة للسباحة، التي أعلنت عنها وزارة الصحة التونسية، تضم مواقع وصلت إليها مياه ملوثة تم تصريفها في الأودية قبل أن تنتهي مباشرة إلى البحر"، مبينا أن "عدد الشواطئ غير الصالحة للسباحة تزداد عاما بعد عام نتيجة تسرب مياه التطهير والمياه الصناعية".
وأوضح، أن "وصول المواد الملوثة إلى البحر تسبب في تراجع كميات الأكسجين، وهو ما أدى إلى نفوق الأسماك وهدد التوازن الغذائي"، مؤكدا إلى أن "البحر في الضاحية الجنوبية للعاصمة لم يعد متنفسا للسكان، بل تحول إلى مصدر قلق وخطر بعد تلوث شريطه الساحلي".

التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويتكرر المشهد في الكثير من الشواطئ التونسية، خاصة في محافظتي نابل والمنستير، حيث تشير معطيات رسمية نشرتها وزارة البيئة إلى أن نحو 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة يتم ضخها سنويا في الأودية والسباخ والبحر، وهو ما يهدد المنظومة البحرية واستدامتها.
كما تشير معطيات إدارة حفظ صحة الوسط والمحيط في وزارة الصحة، إلى تصنيف أكثر من 15 نقطة بالشواطئ الواقعة بالضاحية الجنوبية للعاصمة سنويا ضمن المناطق غير الصالحة للسباحة وغير الآمنة صحيا، نتيجة ما قد تسببه المياه الملوثة من أمراض جلدية وتنفسية.

التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية
© Sputnik . Mariam.Gadera
حملة لإنقاذ الشواطئ
وفي السياق ذاته، أفاد مدير الصندوق العالمي للطبيعة، جمال جريجر، في حديث لـ"سبوتنيك"، أنهم يعملون على "تنفيذ عدد من المشاريع في المجال البحري بالتعاون مع وزارة البيئة التونسية مع التركيز على التلوث البلاستيكي الذي بات يغزو أغلب الشواطئ التونسية، ولذلك أطلقنا حملة "تبنى شاطئا"، وهي مبادرة موجهة إلى المنظمات والجمعيات والنشطاء البيئيين لتبني أقرب شاطئ إليهم ومراقبته والمساهمة في حمايته من التلوث".
وبين أن "الحملة ستشمل 136 شاطئا موزعة على مختلف المحافظات التونسية، ومن المنتظر أن ينتشر نحو 200 فريق على طول هذه الشواطئ لمراقبتها وحمايتها من التلوث ومخلفات المصطافين".

التلوث البحري يهدد مستقبل السواحل التونسية
© Sputnik . Mariam.Gadera
وأشار جريجر إلى أن "عددا من الصيادين أكدوا له أنهم أصبحوا يصطادون الأسماك والبلاستيك في الوقت نفسه بسبب تلوث البحار"، وتابع: "لمساعدة هؤلاء البحارة وحتى لا يعودوا بأياد فارغة، اقترحنا تحويل المواد البلاستيكية التي يتم العثور عليها في عرض البحر إلى المصانع المختصة مقابل عائد مادي".
وختم جريجر حديثه بالإشارة إلى أن "هدف الصندوق العالمي للطبيعة، إلى جانب الكثير من المنظمات البيئية، يتمثل في الحد من التلوث البحري ومساعدة البحارة في تونس على مواصلة نشاطهم، حفاظا على الثروة البحرية وضمانا لاستدامة الموارد الطبيعية".
