الإضراب في ليبيا بين المطالب العمالية والقيود القانونية.. أين يقف حق العامل؟

© Photo / Unsplash/ sol
تابعنا عبر
حصري
يعود الإضراب عن العمل في ليبيا إلى واجهة النقاش، مع تزايد مطالب العاملين بتحسين أوضاعهم الوظيفية والمالية والاحتجاج على ما يرونه تجاوزا لحقوقهم أو تأخرا في الاستجابة لمطالبهم.
وبينما يمثّل الإضراب إحدى أدوات التعبير الجماعي عن المطالب العمالية، تبرز تساؤلات حول الإطار القانوني المنظم له، والحدود التي تفصل بين ممارسة الحق في الإضراب وبين مخالفة القوانين واللوائح المنظمة للعمل.
وفي ظل تعدد النقابات والأجسام العمالية وتباين مواقفها، يطرح المشهد تساؤلات أخرى حول دور النقابات في الدفاع عن حقوق العاملين، وآليات تنظيم الإضرابات، ومسؤوليتها في تحقيق التوازن بين المطالب المشروعة وضمان استمرار الخدمات والقطاعات الحيوية، فهل يمثّل الإضراب حقا عماليًا تكفله القوانين، أم أن ممارسته تخضع لشروط وضوابط قد تجعل بعض أشكاله عرضة للمساءلة القانونية؟
البحث عن الحلول
قالت رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا، نرمين الشريف، إن "النقابات العمالية والمهنية ليست جهة للتحريض على الإضرابات، بل هي الممثل الشرعي للعاملين والمدافع عن حقوقهم ومكتسباتهم"، موضحة أن "دورها الأساسي يتمثل في التفاوض والحوار والسعي إلى الوصول لحلول عادلة تحفظ حقوق العمال وتضمن استقرار المؤسسات".
وأضافت الشريف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "إغلاق أبواب الحوار، وإهمال المطالب المشروعة، واتخاذ قرارات تمس العاملين دون دراسة أو تشاور، يجعل الإضراب أحد الوسائل التي يلجأ إليها العاملون للدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية".
وأشارت إلى أن "مبادئ منظمة العمل الدولية أكدت أن الإضراب يُعد من الوسائل الأساسية التي تستخدمها المنظمات العمالية للدفاع عن مصالح أعضائها".
وأوضحت الشريف أن "دور النقابات، أو أي حراك للعاملين، يتمثل في تنظيم أي تحرك احتجاجي بصورة قانونية وسلمية وحضارية، بما يمنع الفوضى ويحافظ على وحدة العاملين، ويضمن وصول صوتهم إلى الجهات المعنية، وهو ما يحدث خلال هذه الأيام".
وحول الإجراءات التي يفترض أن تتبعها النقابات والعاملون قبل اللجوء إلى الإضراب، قالت، نرمين الشريف:
"إن ذلك يفترض أن يمر بعدة مراحل، أهمها، تقديم المطالب بصورة رسمية وواضحة، فتح قنوات الحوار والتفاوض مع الجهات المختصة، منح فرصة كافية لمعالجة المشكلات والمطالب المطروحة، اللجوء إلى الوساطة أو التوفيق في حال تعثر المفاوضات، وهو ما ينص عليه قانون العمل، لكنه، للأسف، لا يُطبق بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى إشراك العاملين في اتخاذ القرار وإطلاعهم على نتائج المفاوضات، وتوجيه إشعارات مسبقة وفق ما ينص عليه القانون والإجراءات المنظمة، وإبلاغ الجهات المعنية بموعد الإضراب قبل فترة لا تقل عن 10 أيام، بحسب الإجراءات التي أشارت إليها".
وأكدت أن "الحوار الجماعي والتفاوض الجاد يظلان الوسيلة الأفضل لحل النزاعات العمالية"، مشيرة إلى أن "الإضراب غالبا ما يكون نتيجة لفشل المراحل السابقة أو تجاهل المطالب لفترات طويلة".
وفيما يتعلق بتحقيق التوازن بين حقوق العاملين والمصلحة العامة، قالت الشريف إن "ذلك يتحقق عندما تعترف الدولة بحق العاملين في المطالبة بحقوقهم، وفي المقابل تراعي النقابات المصلحة العامة للمواطنين"، مؤكدة أن "التوازن مسؤولية مشتركة ولا ينبغي أن تُفرض على العامل وحده، رغم محاولات العاملين المستمرة لتحقيق هذا التوازن".
وقالت: "نحن نؤمن بأن العامل ليس خصمًا للمواطن، لأنه جزء من المجتمع ويعاني من ذات الظروف الاقتصادية والمعيشية"، موضحة أن "النقابات المسؤولة تحرص، عند أي تحرك احتجاجي، على ضمان استمرار حد أدنى من الخدمات الأساسية والحيوية، خاصة في القطاعات التي تمس حياة المواطنين وصحتهم وسلامتهم".
وأضافت أن "المعايير الدولية تميز بين حق الإضراب وضرورة استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في بعض المرافق الحيوية"، مشيرة إلى أن "الخدمات الصحية في ليبيا لا تتوقف بشكل كامل أثناء الإضرابات، إذ يستمر جزء من العاملين في أداء مهامهم، بينما يشارك آخرون في الإضرابات أو الاعتصامات أمام الجهات المسؤولة".
وأكدت أنه "في المقابل، لا يجوز تحميل العامل وحده مسؤولية تعطل الخدمات إذا وصل الأمر إلى ذلك، بينما يتم تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة، والمتمثلة في ضعف التخطيط، وتأخر صرف الحقوق، وتردي بيئة العمل، وعدم إشراك العاملين في القرارات التي تمس مستقبلهم".
وتابعت: "أنتم وكثيرون لا تعلمون أن هناك آلاف الأطباء وآلاف العاملين في المهن الطبية المساعدة، إضافة إلى المعلمين وغيرهم، يعملون منذ سنوات دون مرتبات أو أجر، رغم أن الأجر هو المقابل الطبيعي للعمل، فكيف يُطلب من العامل أن يؤدي واجبه وهو لا يتلقى حقوقه؟".
وأوضحت الشريف أن "النقابات في ليبيا قدمت خلال السنوات الماضية عشرات المبادرات والمذكرات والمقترحات قبل اللجوء إلى أي تصعيد، وغالبا ما أبدت مرونة كبيرة في سبيل الوصول إلى حلول توافقية".
وأكدت أن "نجاح معالجة النزاعات العمالية والمهنية يتطلب شريكا حكوميا يمتلك الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات"، مشيرة إلى أن "هذا الأمر لا يتوفر في جميع الحكومات الليبية".
وقالت إن "الكثير من الأزمات تتفاقم بسبب التأخير في الاستجابة للمطالب، أو عدم تنفيذ الاتفاقات السابقة، أو إصدار قرارات تمس العاملين دون دراسة كافية لآثارها، إضافة إلى الاستخفاف بالنقابات وأي حراك عمالي".
وأكدت الشريف على أن "الحل الحقيقي لا يكمن في مواجهة الإضرابات بعد وقوعها، بل في بناء شراكة حقيقية بين الدولة والنقابات، تقوم على الحوار المنتظم، والتشاور المسبق، واحترام الاتفاقات الدولية التي صادقت عليها الدولة الليبية، إلى جانب احترام الحقوق القانونية للعاملين".
وقالت: "كلما كان الحوار جادا وفعالا، تراجعت احتمالات التصعيد والإضراب، ربما ما قلته أخيرا يكون حلما، لكن لدينا أمل كبير في أن يتحقق عندما تكون لدينا دولة حقيقية".
حقوق مكبلة
قال رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل، رضا فحيل البوم، إن "التشريعات والقوانين النافذة في ليبيا تجرّم الإضراب عن العمل"، مشيرا إلى أن "القانون رقم (45) لسنة 1972 يجرّم الإضراب ويعاقب عليه بالحبس أو الغرامة أو بكلتا العقوبتين، إلى جانب ما تنص عليه بعض مواد قانون العقوبات، ومنها المادتان (237) و(238)".
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الإضراب عن العمل، وفقًا لهذه النصوص القانونية، يُعد فعلًا مجرّمًا، وبالتالي فإن لجوء النقابات إلى الإضراب قد يترتب عليه إشكالات قانونية"، لافتا إلى أن "ما حدث في السابق من خلافات وإجراءات قانونية على خلفية إضراب أعضاء هيئة التدريس والنقابة".
وتابع أن "مجلس النواب لم يُجرِ حتى الآن، تعديلا أو إلغاءً لهذه القوانين أو المواد ذات الصلة في قانون العقوبات، وهو ما يجعل المسألة القانونية المتعلقة بالإضراب قائمة".
وأشار إلى أن "هناك عددا من الإجراءات والوسائل التي يمكن للعاملين والنقابات اللجوء إليها قبل الإضراب، من بينها الاعتصام والتظاهر السلمي، باعتبار أن حق التظاهر السلمي مكفول بموجب القانون رقم (65) لسنة 2012، شريطة الالتزام بالضوابط والإجراءات القانونية المنظمة له".
وتابع أن "من وسائل الضغط أيضا إصدار البيانات، وطرح القضايا عبر وسائل الإعلام، وتنظيم حملات إعلامية لكسب تأييد الرأي العام، والتواصل مع منظمات المجتمع المدني، إلى جانب مخاطبة الجهات التشريعية للمطالبة بإصدار أو تعديل القوانين بما يضمن حقوق العاملين".
ولفت فحيل البوم إلى "أهمية التفاوض مع الجهات المسؤولة وأرباب العمل قبل اللجوء إلى الإضراب، وفي حال تعذر الوصول إلى حلول، يمكن اللجوء إلى القضاء ورفع الشكاوى والدعاوى أمام المحاكم المختصة، مشيرًا إلى أن القضاء أنصف في عدد من القضايا العمالية".
وأكد أن "العاملين بصورة عامة يمكنهم الاعتصام أو التظاهر للمطالبة بحقوقهم أو الاعتراض على أي انتهاك لها، دون اللجوء إلى إيقاف العمل، خاصة في القطاعات التي تقدم خدمات أساسية للمواطنين".
وأوضح أن "الإضراب في قطاعات مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والشرطة وغيرها من الخدمات الأساسية قد يؤدي إلى المساس بحقوق أطراف أخرى"، مبينا أن "إضراب الأطباء أو المهندسين أو أعضاء هيئة التدريس والمعلمين، على سبيل المثال، قد ينعكس على حق المواطن في الحصول على الخدمات الصحية، أو حق الطالب في التعليم".
وأكد، رضا فحيل البوم، أن "المطالبة بحقوق العاملين والنقابات أمر يمكن تحقيقه من خلال وسائل متعددة"، داعيًا إلى "البحث عن آليات قانونية وبدائل أخرى للضغط وتحقيق المطالب، بما يضمن حقوق العاملين ويحافظ في الوقت ذاته على حقوق المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية".


