بيان دولي يدعو لوقف الحرب في السودان.. هل تكفي الضغوط لإنهاء القتال؟
19:38 GMT 04.10.2026 (تم التحديث: 20:02 GMT 04.10.2026)

© Sputnik . AHMED ABDELWAHAB
تابعنا عبر
حصري
تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لوقف الحرب في السودان، وسط دعوات لاستئناف التفاوض وفق توصيات الرباعية وإعلان جدة، في وقت تتباين فيه المواقف بشأن فرص نجاح هذه المساعي.
ويأتي البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأفريقي، ليعيد ملف الحرب السودانية إلى واجهة التحركات الدولية، مع التأكيد على ضرورة وقف القتال وبدء مسار سياسي.
ويرى خبراء سودانيون أن أهمية البيان ترتبط بالجهات التي أصدرته، إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب ممارسة ضغوط ملموسة لوقف التدخلات الخارجية وتجفيف مصادر الدعم العسكري والمالي.
وبينما يرى مراقبون أن الجيش يمتلك أوراق قوة سياسية وعسكرية وقانونية، تواجهه في المقابل ضغوط اقتصادية ودولية، في وقت تبقى فيه فرص الوصول إلى تسوية سياسية مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على معالجة أسباب استمرار الحرب.
بيان مهم ولكن!
يقول الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، الفريق جلال تاور، إن البيان المشترك الذي أصدرته الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأفريقي، والذي يدعو إلى وقف الحرب السودانية وبدء التفاوض وفق توصيات الرباعية وإعلان جدة، هو بيان مهم جدًا، لأنه صدر عن قوى لها مكانتها في المجتمع الدولي.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن أهم ما جاء في البيان هو الدعوة إلى وقف الحرب، لكن النقطة التي تسترعي التركيز هي ربط التفاوض بتوصيات الرباعية وإعلان جدة، حيث كان إعلان جدة ينص صراحة على خروج قوات الدعم السريع من الأعيان والمناطق المدنية، إلا أن الدعم السريع رد على الاتفاق بزيادة سيطرته على المدن والمنشآت، حتى وصل إلى إنشاء حكومة موازية في نيالا، غير معترف بها، وسار في طريق مخالف لما نص عليه إعلان جدة.
وتابع تاور أن البيان، رغم أهميته، أغفل نقطة مهمة جدًا، وهي أن وقف الحرب يتطلب وقف إمداد الدعم السريع بالعتاد العسكري والأموال والمرتزقة من بعض الدول المعلومة للجميع، مشيرًا إلى أن القوى التي أصدرت البيان لديها القدرة مجتمعة على وقف تدفق الأسلحة والدعم اللوجستي والمرتزقة، وإذا حدث هذا المنع فإن الحرب، بلا شك، سوف تتوقف.
وأشار الخبير العسكري إلى أنه لا يُعقل أن تسعى تلك الدول إلى وقف الحرب دون أن تقطع الروافد التي تدعم استمرار القتال، مضيفًا أن العالم كله يعلم من يسعر نار الحرب، لكنه يغض الطرف عنها نظرًا للمصالح والسياسات التي تربط دول البيان بالدول الداعمة لاستمرار الحرب.
وختم تاور بالقول إن البيان يعلن أن مرجعيته توصيات الرباعية وإعلان جدة، إلا أنه تجاوز كل ذلك، ويريد إيقاف الحرب والوصول إلى اتفاق سياسي وحكومة مدنية وتقاسم السلطة، دون النظر إلى الأزمة والمشكلة الحقيقية في استمرار هذه الحرب.
الإرادة السياسية
من جانبه، يقول رئيس حراك النيل الأبيض في السودان، أحمد بحر، إنه على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، صدر بيان مشترك من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأفريقي، وفق توصيات رؤية الرباعية، مشيرًا إلى أن إمكانية نجاح البيان المشترك الصادر عن القوى الدولية والإقليمية لوقف الحرب في السودان تعتمد على مدى توافر الإرادة السياسية لدى أطراف النزاع، إلى جانب الضغط الدولي الملموس لوقف التدخلات الخارجية.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن إمكانية نجاح المساعي الدولية تواجه العديد من التحديات، من بينها التحديات الميدانية، حيث تواجه هذه المساعي صعوبات كبيرة بسبب تشبث أطراف القتال، الجيش وقوات الدعم السريع، بالمكاسب الميدانية وضعف الالتزام بالهدن السابقة.
وتابع بحر أن البيان يكتسب قوة إضافية لربطه بين وقف إطلاق النار الدائم واستئناف التفاوض ضمن مقترحات المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، وإعلان جدة، فضلًا عن رفض أي هياكل حكم موازية تهدد وحدة البلاد.
وأشار رئيس حراك النيل الأبيض إلى أن الآليات الدولية المتاحة للتنفيذ ربما تتمثل في العقوبات وضغط المراقبة، من خلال تفعيل وتوسيع نظام العقوبات الأممي ليشمل كامل السودان، وتفعيل قرارات مجلس الأمن، مثل القرارين 1556 و1591، لمراقبة حظر الأسلحة، علاوة على تجفيف منابع الدعم الخارجي بالضغط الجدي على الأطراف الخارجية المتورطة في إمداد أطراف الصراع بالسلاح والمعدات والدعم المالي لتأجيج الحرب.
ولفت بحر إلى ضرورة الضغط من أجل استخدام الممرات الإنسانية الآمنة عبر خطوط التماس والحدود كأداة لفرض خفض التصعيد، علاوة على دور القوى المدنية في قيادة الحوار السياسي، حيث تقع عليها مسؤولية إطلاق وتشكيل جبهة حوار سوداني-سوداني شاملة ومستقلة تحدد مستقبل الحكم.
وفي الختام، يرى بحر ضرورة رفض عسكرة الحكم وبلورة رؤية واضحة للانتقال الديمقراطي السلمي، بعيدا عن سيطرة أو تدخل الأطراف المسلحة أو الوصاية الخارجية، علاوة على قيادة جهود الإغاثة لتخفيف المعاناة الإنسانية الكبيرة التي يعاني منها ملايين النازحين والمتضررين.
أوراق ضغط
بدوره، يقول رئيس المركز العربي الأفريقي لثقافة السلام والديمقراطية في السودان، الدكتور محمد مصطفى، إن الجيش لديه ثلاث أوراق قوة حقيقية تمكنه من رفض أي تسوية تساوي بينه وبين الدعم السريع، وهي ورقة الشرعية الدولية، فالجيش هو الجيش النظامي المعترف به في الأمم المتحدة، ولديه مقعد وسفارات وحق شراء السلاح رسميا، بينما الدعم السريع ميليشيا متمردة حسب القانون الدولي، وهذه حجة مقبولة لدى مصر والسعودية وأمريكا نفسها، وهذا هو سبب رفض البيان الأخير للحكومة الموازية.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن الجيش يملك أيضا ورقة الميدان، فالجيش مسيطر على معظم أقاليم السودان، باستثناء إقليم دارفور وجزء من كردفان وجيوب في ولاية النيل الأزرق، وبالتالي فإن الجيش الآن متقدم بدرجة كبيرة، إضافة إلى ورقة التحالفات الجديدة، فالجيش متحالف مع المشتركة والجيش الشعبي شمال ودرع السودان، في دارفور والنيل الأزرق والجزيرة، لكن هذا لا يعني أنه ليست هناك أوراق ضغط على الجيش.
وأشار مصطفى إلى أنه إذا كان الجيش يمتلك أوراق ضغط في مواجهة خصمه، فإن عليه أيضا أوراق ضغط، حيث تمثل ورقة الاقتصاد تحديا كبيرا، فالجيش يواجه ضغوطا في ما يتعلق بتوفير المرتبات والوقود، وهو يحتاج إلى دعم سعودي ومصري.
وتابع رئيس المركز العربي أن الجيش، علاوة على ما سبق، يتعرض لضغوط من المجتمع الدولي، فأمريكا والاتحاد الإفريقي يتوقعان عودة نظام المؤتمر الوطني إذا انتصر الجيش، وهذا تقدير خاطئ، فنظام المؤتمر الوطني لم يكن خيار الجيش حتى لو لم يتعرض لضغوط.
وفي الوقت ذاته، يخشى المجتمع الدولي من وجود ليبيا أخرى في المنطقة إذا انتصر الدعم السريع، لذلك يضغط لتحقيق تسوية متوازنة. ولفت مصطفى إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل ورقة ضغط أخرى، فالمجتمع الدولي يلوح بورقة الجنائية للطرفين، وإذا تعنت الطرفان فسوف يتم تحريك ملف الجنائية الدولية.
واندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعد تصاعد الخلافات بشأن ترتيبات الانتقال السياسي ودمج القوات.
واتسعت رقعة القتال لتشمل مناطق واسعة من البلاد، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح الملايين وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. ومنذ بداية الصراع، تعددت المبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، ومن أبرزها مسار جدة والجهود التي تقودها الرباعية الدولية.
إلا أن الهدن السابقة لم تصمد طويلا، بينما أدى استمرار القتال والتدخلات الخارجية إلى تعقيد فرص التسوية. وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الضغوط الدولية على دفع طرفي النزاع نحو وقف دائم لإطلاق النار وفتح مسار سياسي شامل.




