علماء روس يبتكرون مواد ذات توهج قابل للتحكم

CC BY 2.0 / /
تابعنا عبر
طوّر باحثون في سيبيريا مركبات مُضيئة يمكن تغيير كفاءة توهجها بمقدار أربعة أضعاف، وذلك من خلال تعديل تفاعلها مع الماء، يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة لتطوير كواشف حساسة للرطوبة، وعلامات أمنية، ومواد بصرية ذكية.
غالبًا ما يرتبط الماء بالحياة، لكن في بعض المواد المُضيئة، يمكن أن يؤدي الماء دورًا غير متوقع: وهو إضعاف توهجها، وقد اكتشف العلماء الآن أن التحكم الدقيق في جزيئات الماء المحيطة بأيون معدني يمكن أن يغير بشكل جذري كفاءة المادة في إصدار الضوء.
نجح باحثون في معهد نيكولاييف للكيمياء غير العضوية، التابع للفرع السيبيري لأكاديمية العلوم الروسية، في تطوير مركبات يمكن زيادة كفاءة إصدارها للضوء أربعة أضعاف، وذلك عبر تغيير قابل للعكس في بنيتها الجزيئية، وتُظهر النتائج، طريقة للتحكم في التوهج باستخدام تغييرات كيميائية بسيطة نسبياً، مع إمكانية تطبيقها في مجالات الاستشعار والتقنيات البصرية المتقدمة.
كيف يمكن للماء التحكم في الضوء؟
تعتمد المواد الجديدة على عنصري اليوروبيوم والتيربيوم، وهما عنصران ينتميان إلى مجموعة من المعادن تُعرف باسم اللانثانيدات، وتكتسب هذه العناصر أهمية خاصة؛ نظراً لأن مركباتها يمكن أن تُصدر ألواناً مميزة للغاية عند تحفيزها بواسطة مصدر طاقة مناسب، فعلى سبيل المثال، يُصدر اليوروبيوم عادةً ضوءاً أحمر، بينما يُصدر التيربيوم ضوءاً أخضر.
تُعرف هذه العملية باسم التوهج (Luminescence)، حيث تمتص المادة الطاقة ثم تُطلق جزءاً منها على شكل ضوء مرئي، ومع ذلك، تعتمد كفاءة هذه العملية بشكل كبير على البيئة الكيميائية المحيطة بالأيونات المعدنية، وقد اكتشف الباحثون في سيبيريا أن اختلافاً بنيوياً صغيراً، بشكل مفاجئ، يمكن أن يُحدث تغييراً جوهرياً في هذه الكفاءة. ففي أحد أشكال المركب المعتمد على اليوروبيوم، يكون الأيون المعدني محاطاً مباشرة بجزيئين من الماء. أما في شكل آخر، فيبقى جزيء ماء واحد فقط مرتبطاً بالأيون، بينما تحل مجموعة "نترات" محل الجزيء الآخر.
وهذا التغيير، الذي يبدو بسيطاً، له تأثير كبير على عملية إصدار الضوء. يحتوي الماء على روابط "أكسجين-هيدروجين" تهتز، حيث بترددات عالية؛ ويمكن لهذه الاهتزازات أن تمتص الطاقة التي كان من المفترض أن تنطلق على شكل ضوء، ما يؤدي بالتالي إلى تقليل توهج المادة، ومن خلال تقليل عدد جزيئات الماء المرتبطة مباشرة بأيون اليوروبيوم، تمكن الباحثون من خفض فقدان الطاقة هذا، ما سمح بتحويل جزء أكبر من الطاقة الممتصة إلى ضوء.
كفاءة أعلى بأربع مرات مع إمكانية عكس التغيير
أسفر البحث عن نتيجة مثيرة للاهتمام بشكل خاص؛ فقد أظهرت المركبات تغيراً يصل إلى أربعة أضعاف في "المردود الكمي للتلألؤ" (luminescence quantum yield)، وهو مقياس لمدى كفاءة تحويل الطاقة الضوئية الممتصة إلى فوتونات منبعثة.
وفي المركبات ذات الأداء الأفضل، وصل المردود الكمي إلى 40%، كما لاحظ الباحثون تغيراً بمقدار الضعف في العمر الافتراضي للحالة المثارة، وهو مصطلح يصف المدة التي تظل فيها المادة في حالة إثارة إلكترونية قبل أن تطلق طاقتها، والأهم من ذلك، أن هذه التأثيرات لم تكن دائمة، فمن خلال التحكم في محتوى الماء في المذيب المحيط، استطاع العلماء التبديل بين الشكلين الهيكليين.
أدى استخدام الإيثانول أو كحول الأيزوبروبيل الخالي من الماء إلى تفضيل الشكل الذي يحتوي على جزيء ماء واحد مرتبط. أما إضافة كمية صغيرة من الماء (حوالي 5% في المذيب)، أدت إلى عكس التحول دون تدمير البنية البلورية، وقد أكد الباحثون هذه التغيرات الهيكلية باستخدام تقنية حيود الأشعة السينية، وهي تقنية تكشف عن كيفية ترتيب الذرات داخل المواد البلورية.
ومع ذلك، تظل هناك نقطة هامة: وهي أن هذه المركبات تتحلل في الماء النقي. لذا، فقد أُثبت سلوكها القابل للعكس في ظل ظروف مذيب مضبوطة، وليس من خلال التعرض غير المقيد للرطوبة، ورغم ذلك، فإن القدرة على التبديل بين حالتين باعثتين للضوء دون إلحاق ضرر دائم بالبلورات تُعد ميزة واعدة للمواد المصممة للاستجابة لبيئتها الكيميائية المحيطة.
من بلورات متوهجة إلى مستشعرات ذكية
تتمثل إحدى أكثر الإمكانيات العملية في تطوير "مستشعرات ضوئية للرطوبة". تخيل طلاءً رقيقاً يتغير انبعاثه الضوئي عندما تصبح البيئة المحيطة أكثر رطوبة؛ فبدلاً من الاعتماد فقط على القياسات الكهربائية، يمكن لجهاز الكشف استخدام التغيرات في التلألؤ للكشف عن وجود الماء.
ويمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد مستقبلاً في الكشف عن آثار الرطوبة في الوقود، أو مراقبة البيئات الصناعية الجافة، أو دعم تطوير مواد ذكية تستجيب خصائصها الضوئية للظروف المتغيرة، ويخطط الباحثون لإنشاء نموذج أولي لكاشف على شكل غشاء رقيق يغير من تلألؤه وفقاً لرطوبة البيئة المحيطة.
وهناك تطبيق محتمل آخر يتمثل في الحماية من التزييف، حيث يُصدر عنصرا اليوروبيوم والتيربيوم ضوءاً يتركز في نطاقات طيفية ضيقة، ما يمنح انبعاثاتهما بصمة ضوئية مميزة. ويمكن لمزيج من المركبات التي تُصدر الضوء الأحمر والأخضر أن يبدو باللون الأصفر، مع احتفاظه في الوقت ذاته بنمط طيفي يختلف عن ذلك الخاص بالمواد التي تُصدر اللون الأصفر بشكل طبيعي.
وقد تُسهم هذه البصمات الفريدة في تطوير علامات أمنية متخصصة للوثائق، أو الأوراق النقدية، أو المقتنيات الثمينة، ومع ذلك، توضح الدراسة إمكانية التحكم في التألق الضوئي (اللّومينسنس) داخل مركبات مُصنّعة، ولا تمثل في حد ذاتها جهازاً تجارياً جاهزاً أو نظاماً متكاملاً لمكافحة التزييف.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهماً؟
يُظهر البحث أن التحكم في انبعاث الضوء لا يتطلب دائماً تطوير أجهزة إلكترونية جديدة كلياً أو تغيير المكونات الكيميائية الأساسية للمادة، ففي بعض الأحيان، يكفي تغيير ترتيب بضع ذرات فقط حول أيون معدني لتعديل كفاءة المادة في إصدار الضوء.
ومن خلال إثبات حدوث تحولات هيكلية قابلة للانعكاس وتغيرات جوهرية في كفاءة التألق الضوئي، وضع الفريق البحثي السيبيري نهجاً واعداً لتصميم مواد تستجيب لبيئتها بطرق يمكن التنبؤ بها، ولعل الموضوع الأكثر إثارة للاهتمام هو أن وجود جزيء ماء واحد فقط في الموقع المناسب، يمكن أن يُحدث فارقاً ملحوظاً في كيفية تفاعل المادة مع الضوء.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |



