من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم... كيف أصبح الرمان عنوانا لهوية تستور التونسية؟
14:18 GMT 04.11.2026 (تم التحديث: 14:57 GMT 04.11.2026)

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
تحتضن مدينة تستور، شمال غربي تونس، الدورة التاسعة لمهرجان الرمان السنوي الذي يجمع بين ثمرات الرمان الطازجة والعصائر والمعجون، بما يسمح بالتعرف على تعدد استعمالات الثمرة، وعلى ما يمكن أن تضيفه عمليات التحويل إلى قيمة المنتج المحلي.
وفي هذه المدينة التي تحتفظ بملامح من تراثها الأندلسي، تتحول حبات الرمان الحمراء إلى عنوان لتظاهرة تجمع الفلاحين والحرفيين والطهاة والزوار القادمين من مختلف المحافظات التونسية، فضلا عن ضيوف من خارج البلاد.
في أحد أجنحة المهرجان، يقول المزارع الهادي الزويبي، لـ"سبوتنيك"، إنه "ينحدر من عائلة تعمل في الزراعة أبا عن جد، وإن التحول نحو زراعة الأشجار المثمرة جاء تدريجيا، قبل أن يحتل الرمان مكانة بارزة ضمن نشاطه الزراعي"، مؤكدا أن "هذه الزراعة لا تمثل بالنسبة له مجرد مصدر للرزق، بل ترتبط بتراث المدينة وتقاليدها التي تناقلها السكان عبر الأجيال".
وقال إن "ثقافة الرمان في تستور تعود إلى فترة قدوم الأندلسيين والموريسكيين من إسبانيا في القرن السابع عشر، ما جعل زراعة هذه الثمرة جزءا من الموروث الزراعي المحلي، إلى جانب مظاهر أخرى من الثقافة الأندلسية التي لا تزال حاضرة في الحياة اليومية للمدينة"، وفقا له.
ويضيف الزويبي أن "ارتباطه بهذا المنتج دفعه إلى استثمار وقته وماله وجهد عائلته في تطوير نشاطه، وأن الوصول إلى ثمار ذات جودة عالية يتطلب سنوات من العمل والصبر والعناية المتواصلة بالأشجار".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويؤكد الزويبي أن "العلاقة بين منطقة تستور والرمان عميقة، وأن تنظيم مهرجان خاص بهذه الثمرة جاء استجابة للحاجة إلى التعريف بمنتجات المنطقة وخصوصياتها الفلاحية، فضلا عن خلق حركة اقتصادية ترتبط بالإنتاج المحلي".
ولفت إلى أن "التظاهرة أصبحت تستقطب زوارا من مختلف أنحاء تونس، فضلا عن وفود أجنبية"، مشيرا إلى "استقبال مشاركين وزوار من دول أوروبية ولبنان وسوريا خلال أيام المهرجان".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
رحلة طويلة تبدأ من الحقول
وراء الثمار التي تتصدر أجنحة العرض في مهرجان الرمان، رحلة زراعية تمتد على مدار السنة، تتطلب متابعة دقيقة لمراحل نمو الأشجار، من التقليم الشتوي إلى الإزهار، ثم عقد الثمار ونضجها.
وتوضح إحدى العاملات في قطاع الرمان، فاطمة بن موسى لـ"سبوتنيك"، أن "الرمان الذي يبدو للزائر ثمرة جاهزة للقطف والبيع هو في الواقع حصيلة عمل يمتد أشهرا، ويستدعي معرفة بطبيعة الأشجار واحتياجاتها، فضلا عن قدرة الفلاح على التعامل مع التغيرات التي تطرأ على المحصول خلال الموسم".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
ولا تتوقف قيمة الرمان عند تسويقه طازجا، إذ يتجه المنتجون إلى تنويع استعمالاته بحسب حجم الثمار وطبيعتها، إذ توضح بن موسى أن "الثمار التي يتراوح وزنها بين 150 و200 غرام يمكن توجيهها إلى إنتاج العصائر، في حين تسوق الثمار الأكبر حجما في أسواق الجملة والتفصيل، أما الثمار التي لا تجد طريقها إلى البيع طازجة، فيمكن تحويلها إلى معجون رمان".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
وأضافت: "تعكس هذه الممارسات توجها نحو الاستفادة من مختلف أجزاء الثمرة وتنويع المنتجات المشتقة منها، ما يفتح المجال أمام فرص إضافية للتصنيع والتسويق، خاصة عندما يتجاوز نشاط الفلاح بيع المحصول في صورته الأولية إلى تحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك والتداول خارج الموسم".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
تظاهرة تنعش الاقتصاد والسياحة
تقول مديرة الدورة التاسعة لمهرجان الرمان في تستور، منى العرفاوي: "الهدف الأساسي من التظاهرة هو تثمين الثمرة والتعريف بالمنتجات المحلية، موضحة أن المهرجان تطور ليصبح حدثا ثقافيا وسياحيا ويتضمن ندوات علمية وثقافية ومسابقات للطبخ ومعرضا للصناعات والفنون.
وتضيف العرفاوي لـ"سبوتنيك": "المعرض استقطب هذا العام 250 عارضا وعارضة، مقابل 200 في الدورة السابقة، موزعين على ثلاثة أقسام تشمل الرمان ومشتقاته، والصناعات التقليدية، والتجار والمستشهرين، كما حرص المنظمون على استقطاب مشاركين من مختلف الولايات، من بينها تطاوين وبنقردان".
وبحسب العرفاوي، "يستقبل المهرجان نحو 7000 زائر يوميا، يقصد كثير منهم المدينة لقضاء يوم يجمع بين التسوق وتذوق الأطباق الأندلسية التقليدية، مثل المسمنات والمسفوف والفرش، إلى جانب اكتشاف منتجات الرمان".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
وتنظم إدارة المهرجان أيضا مسابقات للطبخ تشجع الابتكار في إعداد الأطباق المحلية، مثل المسفوف والرشتة الحلوة، بمشاركة مختصين من مختلف أنحاء تونس، مع تخصيص جوائز مالية للفائزين.
ولا تقتصر أهمية هذه الأنشطة على الجانب الثقافي، إذ ترى العرفاوي أن "المهرجان أصبح محركا للحركة الاقتصادية في المنطقة، من خلال تنشيط التجارة والترويج للمنتجات المحلية واستقطاب الزوار"، مشيرة إلى أن "محدودية النزل السياحية تدفع أهالي تستور إلى فتح بيوتهم لاستقبال الضيوف، في مشهد يعكس تقاليد الضيافة التي تتميز بها المدينة".

من إرث الأندلس إلى أسواق اليوم.. كيف أصبح الرمان عنواناً لهوية تستور التونسية؟
© Sputnik . Mariam.Gadera
وتابعت: "إلى جانب الرمان، يكتشف الزائر معالم تستور، وفي مقدمتها جامعها الكبير وساعتها المعكوسة، فضلا عن تراثها الغذائي والحرفي الذي يشكل جزءا من هويتها الأندلسية".
وهكذا، تتجاوز التظاهرة الاحتفاء بثمرة موسمية لتجمع بين الزراعة والثقافة والسياحة والتجارة، فمن العناية بالأشجار إلى تصنيع المشتقات، ومن أجنحة العرض إلى موائد الزوار، يتيح مهرجان الرمان لتستور تقديم منتوجها المحلي بوصفه جزءا من ذاكرتها ورافدا لحركتها الاقتصادية، ونافذة للتعريف بخصوصيتها داخل تونس وخارجها.
