خبير اقتصادي لـ"سبوتنيك": سياسة العقوبات الأمريكية جوفاء

رأى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة طرطوس، الدكتور ذو الفقار عبود، اليوم الجمعة، أن "سياسة العقوبات الأمريكية جوفاء".
Sputnik
دمشق - سبوتنيك. وأضاف الدكتور عبود في لقاء مع وكالة "سبوتنيك"، أن "الحرب الاقتصادية الغربية على روسيا قد تكون لها تداعيات سلبية في المدى المنظور، إلا أن تداعياتها على المدى المتوسط والطويل ستكون إيجابية بالنسبة لروسيا، لجهة قيام تحالف روسي صيني ستنضم له كوريا الشمالية والهند ودول أخرى تسعى للتخلص من الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي والاقتصاد الدولي، وصولا إلى قيام نظام عالمي جديد قائم على تعدد الأقطاب وعلاقات دولية يسود فيها نمط التعاون بدلاً من نمط الصراع".
العملية العسكرية الروسية لحماية دونباس
ماكرون: الاتحاد الأوروبي مستعد لفرض عقوبات جديدة على روسيا
وقال الدكتور عبود، إن "الغرب جمد مخزون روسيا من النقد الأجنبي، ولكنه لم يمنع تدفق الدولار واليورو على البلاد جراء عدم حظره صادرات الغاز والنفط الروسيين، وتقدر مداخيل روسيا من ذلك بحولي 20 مليار دولار شهرياً".
وأضاف أن "الدول الغربية تعتقد أن منع البنوك الروسية الكبرى مثل سبيربنك من استخدام الدولار واستبعاد بنوك أخرى من نظام الرسائل سويفت، سيؤدي إلى غرق الاقتصاد الروسي في الفوضى، إلا أن تحوط روسيا من خلال إنشاء نظام روسي خاص بديلا عن سويفت أفشل المخطط".
وقال: "بالرغم من وجود تداعيات سلبية للحرب الاقتصادية، لكن دولاً كثيرة استطاعت التأقلم مع هذه الإجراءات من خلال خيارات عديدة، منها الاعتماد على الذات وفك الارتباط بالاقتصاد العالمي".
وأضاف: "كثيرة هي الدول التي تعرضت لهذه الإجراءات العدوانية لعقود طويلة ومنها سوريا التي خبرت ملف العقوبات منذ سبعينيات القرن العشرين واستطاعت بناء اقتصاد قوي بالاعتماد على الذات وبمساعدة الحليف الاستراتيجي وقتها وهو الاتحاد السوفياتي".
"كذلك إيران خبرت هذا النوع من الإجراءات ومع ذلك استطاعت إيجاد بدائل محلية للتصنيع وتنمية القطاع التكنولوجي وهي الآن من الدول الكبرى في العالم".
وقال: "اليوم نشهد الهجمة الشرسة من قبل الولايات المتحدة ودول الناتو والدول التي تدور في فلك الولايات المتحدة لفرض حرب اقتصادية على روسيا على خلفية العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، حيث قامت روسيا بالمقابل بحظر تصدير كثير من السلع والمنتجات مثل الغاز والنفط والسيارات ومحركات الطائرات والتكنولوجية المتطورة، والتي بلا شك سيكون لها تداعيات سلبية على اقتصاديات الدول الغربية، وبدأ ذلك يظهر من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز والقمح، ثم جاء القرار الروسي ثم الصيني بالاعتماد على العملات المحلية للمدفوعات وفك ارتباط اليوان والروبل بالدولار الأمريكي، وهذا ما سوف يعجل في إضعاف هيمنة الدولار على المدفوعات الدولية".
وأضاف: "بالطبع الإجراءات العدوانية الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية تنعكس سلبا على مستوى معيشة المواطن في الدول التي تتعرض لهذه العقوبات نتيجة زيادة معدل التضخم وتراجع النمو الاقتصادي وتراجع مستوى الاستثمارات الأجنبية وبالتالي زيادة معدلات البطالة، وهذا ما تريده الدول الغربية التي تسعى لخنق المواطنين اقتصاديا وليس الحكومات، بهدف دفعهم للاحتجاج ضد حكومات بلدانهم، وهذا ما بات يعرف بسياسات الخنق الاقتصادي أو القتل الاقتصادي والذي لا يقل بشاعة عن استخدام أي سلاح عسكري محرم دوليا".
وقال: "رغم استمرار تدفق الدولار إلى روسيا، جراء إعفاء قطاع الطاقة من الإجراءات العدوانية، تبقى قيمته كمخزن عالمي للقيمة، كبيرة رغم حظر الصادرات الرئيسية إلى روسيا ومقاطعة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل "آبل" لروسيا، وهذا ما يعرضها لنقل ملكيتها للحكومة الروسية".
ولم يستبعد الدكتور عبود "توجه موسكو إلى تخزين ثروتها في قطاع النفط بدل بيعه للغرب، وأمام هذه الحالة فإن روسيا، قد تحول أموالها إلى أصول ذهبية وصينية، ومن البديهي أن تستخدم اليوان والروبل كأداة للمدفوعات بين البلدين. وتمتلك الصين نفسها احتياطيات من العملات بقيمة 3.3 تريليون دولار. وخلافا لروسيا، فإنها لا تستطيع أن تحتفظ بها بشكل مفيد بالرنمينبي، وهي العملة التي تطبعها".
وأضاف "أمام هذا الوضع قد يعود المستثمرون لشراء الذهب، ومن المؤكد أن عديد من البنوك المركزية ستتجه لذلك".
ورأى الدكتور عبود أنه "من حيث المبدأ القانوني، الإجراءات الاقتصادية وحيدة الجانب هي سلاح تستخدمه الدول الغربية ضد أي دولة لا تنسجم سياساتها مع استراتيجيات الهيمنة الأميركية على العالم".
وقال "لطالما لجأت الولايات المتحدة لهذا السلاح ضد الدول التي تسعى للاستقلال في قرارها السياسي والاقتصادي، مستغلة هيمنتها على الاقتصاد الدولي وسيطرتها على اقتصاديات الدول المتحالفة معها".
وأضاف "مع تزايد استخدام الدول الغربية للعقوبات، يبرز جدل حول مدى فعالية العقوبات كأداة للسياسة الخارجية، خاصًة في ضوء بعض النماذج الدولية التي لا تشير إلى نجاحات ملحوظة للعقوبات توازي الاستخدام المكثف لها".
العملية العسكرية الروسية لحماية دونباس
"الناتو": لا أحد يريد العقوبات المفروضة على روسيا لأن أثرها يشمل الجميع
وقال إن "العقوبات المفروضة على إيران لم تمنع الوصول إلى طاولة المفاوضات وإبرام الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، فضلاً عن أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، في 2021، لم تنجح في تغيير موقف الأخير من نتائج الانتخابات الرئاسية، إلى جانب ذلك، فإن العقوبات المكثفة على الهند وباكستان وكوريا الشمالية لم تمنعها من امتلاك القدرة النووية. ولم تنجح العقوبات المفروضة على روسيا في إجبارها على التخلي عن شبه جزيرة القرم. ولم تُجبر العقوبات التي وقعتها واشنطن على تركيا عقب الغزو التركي لقبرص في السبعينيات، القوات التركية على الانسحاب. كما استمرت العملية العسكرية السوفياتية في أفغانستان رغم فرض واشنطن للحظر على الحبوب المصدرة إلى الاتحاد السوفياتي، ومقاطعتها لدورة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980".
وأضاف: "قد تنجح العقوبات في تحقيق تأثيرها الاقتصادي، دون أن تنجح في تغير السلوك المُستهدَف. فقد تسببت عقوبات الأمم المتحدة على أفغانستان عامي 2000 و2001 في خسائر فادحة، لكنها أخفقت في دفع نظام طالبان نحو تسليم أسامة بن لادن".
وحول الطريقة التي تستطيع بها الدول النجاة من الهزيمة أمام العقوبات قال الدكتور عبود "تعمل الدول المستهدَفة على الإفلات من تأثيرات العقوبات عبر عدد من الآليات التي تحاول من خلالها الالتفاف عليها، وتحاول استغلال التحديات التي تعيقها، حيث تعتمد الدول في مساعيها للالتفاف على العقوبات على شبكة من الشركات والوسطاء في الخارج، واستخدام أسماء جهات أخرى، واستغلال الثغرات، وفتح حسابات مصرفية مجهولة للوصول إلى الأسواق الدولية. فضلًا عن شراء وكلاء للبضائع المطلوبة، ثم نقلها للدولة دون علم الدول الغربية، وتعمل الدول على إخفاء المعاملات التي تحظرها العقوبات داخل المعاملات المسموحة".
وأضاف: "كما تعتمد الدول المعاقَبة على تشكيل شبكات من الشركات والشركاء والوسطاء والميسرين لإخفاء طبيعة نشاطهم. وتستغرق هذه الممارسات وقتًا أطول للتحقيق فيها، وهو ما دعا إلى بروز "عقوبات الشبكة" في مواجهة "شبكات الالتفاف على العقوبات. مثلا، تداولت شركة (دي إتش آي دي)الصينية نيابة عن كوريا الشمالية عبر 43 كيانًا تجاريًا في 4 قارات، ووقّعت الحكومتان الأمريكية والصينية عقوبات على الشركة على خلفية مزاعم دعمها للبرنامج النووي الكوري الشمالي".
وقال: "يشير تقرير للأمم المتحدة عام 2017 إلى تزايد حجم ونطاق وتطور تقنيات المراوغة التي تتبعها كوريا الشمالية للالتفاف على الحظر المفروض على برنامجها الصاروخي".
مسؤول: أمريكا تقيد الوصول إلى التكنولوجيا في كوريا الشمالية بعد اختبارات الصواريخ الباليستية
وتابع الدكتور عبود قائلا، إنه" خلال الحرب على سوريا تكونت شبكات تجارية لديها طرق ومسالِك خاصّة بها من أجل الالتفاف على العقوبات وتأمين السلع والخدمات من البلدان المجاورة - خصوصاً لبنان - أو من مناطق أخرى في الداخل السوري - مثل المنطقة الشمالية الشرقية - للحصول على النفط والقمح. إذ أنشأ بعضُ التجار شركات ظل وحسابات في دول مختلفة، من أجل تسهيل الأنشطة التجارية مع الحكومة السورية".
وذكر الدكتور عبود أنه "نحو البدائل التجارية عند إغلاق سوق ما عبر العقوبات تقوم الدول المستهدفة بتحويل تركيزها الاقتصادي إلى أسواق أخرى، خاصة أن الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الهند وكوريا الجنوبية غالبًا ما تتعامل مع العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كفرصة اقتصادية واستراتيجية محتملة". وأضاف أن " الاختلافات في السياسة الخارجية بين الدول تلعب دوراً أساسياً في بقاء الاقتصادات الخاضعة للعقوبات في ظل الاقتصاد المعولم الذي لا تُشكّل الدولة الفارضة للعقوبة الفاعل الوحيد فيه. ففي الوقت الذي تبحث فيه الدولة الخاضعة للعقوبات عن شركاء تجاريين جدد ليحلوا محل أولئك الملتزمين بالعقوبات الاقتصادية، بالإضافة إلى استمالة الأنظمة المتعاطفة معها، فإن هناك أعداداً كبيرة من الشركات الساعية للربح في دول أخرى - لا تشارك في جهود فرض العقوبات - تكون على استعداد للقيام بأعمال تجارية مع الكيانات المستهدَفة، خاصة أنه كلما زادت شدة العقوبات المفروضة على بلد مستهدف، زادت العوائد المحتملة للتجارة معهم".
وقال: "لذلك تواجه العقوبات أحادية الجانب - حتى عندما يفرضها أكبر اقتصاد في العالم - تحديات أكثر صعوبة في ظل اقتصاد دولي يزداد تكاملاً".
مناقشة