القاهرة - سبوتنيك. واندلع حريق في الكنيسة، الأحد الماضي 14 أغسطس/ آب الجاري، أثناء إقامة القداس الصباحي، الذي انتهى بمصرع 41 شخصا من بينهم 15 طفلا، وإصابة 12 آخرين.
انتقلت "سبوتنيك" بين الجموع، وتحدثت لحارس الكنيسة، "عم كيرلس"، رجل في العقد السادس من عمره، أفنى ثلاثة عشر عاما، في حراسة بيت "الرب المقدس"، وأراد أن يفسر بعض المفاهيم الخاطئة عن تركه باب الكنيسة مغلقا، والذهاب لإحضار الإفطار.
وبدموع غزيرة أوضح أن شائعة الباب المغلق كانت تتمثل في إغلاق باب حديدي مصمم لسقف الكنيسة، يتم غلقه دائما خوفا من خروج الأطفال إليه أو اللعب أعلاه، فضلا عن دعمه للمكيفات الهوائية في تبريد المكان.
وفسر كيرلس أنه هيأ الكنيسة والمذبح للقداس في السادسة والنصف صباحا، وساعد أحد المصلين المكفوفين، ويدعى المعلم "روماني عزت" على الصعود، واستقر مكانه، وما أن سمع أحد الأطفال الشماسين يستغيث به من وجود نار بالطابق الأعلى، بعد عودة الكهرباء المنقطعة، حتى صعد بهدف إنزال المعلمات من الفصول الدراسية الخاصة بروضة الأطفال في الدور الثاني من مقر الكنيسة، والتي تعمل من الثامنة والنصف صباحا يوميا.
وفي مقر الكنيسة المكون من 4 طوابق، نشب "الماس الكهربائي" الذي التهم كل شيء، بكي العم كيرلس كثيرا، وقال إنه لم يستطع إنقاذ البقية، واستنكر ما قال إنه "تأخر الإسعاف ورجال المطافئ"، في نفس الوقت الذي أشاد فيه بتوجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإعادة ترميم الكنيسة.
وقال كيرلس (الله يخليه السيسي ويعمر بيته زي ما بيعمر الكنيسة من تاني)، طالبا النظر من جديد في الأمور المتعلقة بالكهرباء بالكنيسة حتى لا تحدث حرائق مستقبلا.
وفي البيت المجاور للكنيسة، يقطن مجدي مصباح، والذي يعاني مشاكل صحية بقدمه إثر حادث استدعاه لتثبيت شرائح ومسامير على طول عظمة الفخذ، لكنه وبشهادة أهل المنطقة لم يهدر دقيقة أو محاولة لإنقاذ الموجودين بالداخل، هو وابنه وزوجته، وأخيه محمود.
وأوضح مصباح، لـوكالة "سبوتنيك" أنه "في البداية كان هناك انقطاع في الكهرباء في الساعة 8:30 وبمجرد عودة الكهرباء سمعنا صوت فرقة من الكنيسة واستغاثات بأن الكنيسة تحترق، وكنت نائما وأسرعت إلى الشارع ولاحظنا أن حريقا شب في التكييف الموجود بالدور العلوي مع تصاعد أدخنة من النوافذ".
وضع الجار يده على نقطة متأزمة صعبت الأمر أكثر، ذاك عندما أوضح أن الصعود من خلال الباب السفلي الرئيسي كان صعبا لكثرة الدخان، فضلا عن أن الباب الخلفي، هو باب مغلق دائما وفتحه أمر مستحيل، ولأن بيته ملاصق لمقر الكنيسة قرر القفز على الأسطح، إلا أن المفاجأة كانت في أن سقف الكنيسة مغلق بالكامل، إلا من باب حديدي، طوله وعرضه حوالي متر واحد فقط، على حد تعبيره.
لحمة الأقباط والمسلمين كانت أقوى من أي عقبات حينها، مد الجار يده لطفايات الحرائق، وحطم هو وأقاربه الحديد، وأدخلوا خرطوم مياه متصل بصنبور على سطح الجار، على أمل إخماد ألسنة النار، بالفعل تمكن من إخراج شقيقتين لإسعافهما لكن بدون جدوى وبعد فوات الأوان، جهوده كانت بالتزامن مع ولده زياد، الطالب الجامعي، صاحب العشرين عاما، الذي مد يده للمحتجزين لسحبهم على السطح من نافذة الطابق الأخير بالكنيسة، أما زوجته فأخرجت غطاء السرير لتغطية النساء.
ولا يزال الحادث المأساوي يشكل حيزا كبيرا في ألباب الحاضرين، لم تحترق جثة أو تتفحم، فقط عامل الاختناق كان كافيا لإزهاق 41 روحا، وعدم جاهزية الأمور برمتها فاقم الأزمة وصعب عملية الإنقاذ، هذا ما أكده أغلب شهود العيان.
ويرى مجدي، أنه لو كان التحرك بشكل أسرع، لتمكنوا من الإمساك بزمام الأمور، كما هو الحال لو وجد سلم من السطح للداخل، وليس سلما حديديا ضيقا مستند للحائط ساخن بقدر ما تعرض لنار ودخان لا يمكن لأحد الصعود عليه أو اللجوء للسطح من خلاله.
وتابع: "الترميم جميل وكان في نفس اليوم مساء، والعمال هنا شغالين باستمرار لإنجاز الكنيسة، لكن الاهتمام مش بس بالواجهة والدواخل لازم يكون هناك للسطح فتحة وسلم طبيعي".
وبالانتقال من البيت بجانب الكنيسة إلى البيت الذي أمامها، أطلعنا الحج، سيف إبراهيم صاحب العقار، أن المصلين لم يتمكنوا من النزول فصعدوا للدور الأخير، واحتجزوا بداخله، إلا أن أحدهم حاول الصعود على المكيفات الخارجية المعلقة بالنوافذ، للنجاة وكان مصيره السقوط من الأعلى، في حين فقد أخر توازنه رغما عن محاولات أهالي المنطقة إنقاذه "ببطانية".
وتابع الحاج سيف أن "الشباب تعاونوا بالرغم من كثافة الدخان الذي أدى إلى حالات إغماء لبعض رجال الإطفاء أنفسهم".
ولم يقتصر الأمر على رجال الشارع وحدهم، حيث ساهم الأطفال أيضا في ذلك، فالطفل يوسف، أشاد به أهل المنطقة، وأوضح أن الجوار كان يستدعي منه فعل ذلك "الشباك في وش الشباك.. سمعنا التكييف فرقع وطلع صوت زي القنبلة نزلنا كلنا نساعد".
مواقف عدة أثرت في نفس يوسف، ذكر أن الذعر قد أصابه عند رؤيته أنابيب البوتاجاز موجودة بجانب النار وخاف أن يصبح الأمر كارثيا، كما انفطر قلبه لرؤية رضيعة مختنقة وملقاة على أرضية الروضة، بالإضافة لأصدقاء له كانوا بالكنيسة ولقوا مصرعهم.
وحول جثمان الكاهن، أوضح يوسف أنه تم حمله متوفيا والنزول به حيث عربات الإسعاف، المنتظرة في مدخل الشارع، ولا يمكنها الدخول، ومزاحمة عربات الإطفاء في شارع لا يتعدى عرضه الأربعة أمتار، ولفت إلى أن الكسور في الزجاج التي طالت سيارة الكاهن كانت بفعل أهالي المنطقة لتحريكها بعيدا لتمكين الإنقاذ من الدخول.
وكان أسقف الكنيسة عبد المسيح بخيت، 50 سنة، من بين الضحايا، والذي رفض النزول إلا بعد إنقاذ الأطفال وخلع ردائه كمساهمة في النجاة وإطفاء الحريق، إلا أنه مات مختنقا قبل أن يتم إسعافه.
وتتم حاليا أعمال الترميم بالكنيسة، بعد أن تلقى البابا تواضروس بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اتصالًا هاتفيا، من رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، قدم خلاله التعزية لقداسة البابا في ضحايا الحادث، مشيرا إلى أن الرئيس السيسي أصدر توجيهاته للهيئة بإعادة إعمار الكنيسة المحترقة.
يذكر أن القديس مرقوريوس أبو سيفين، يعتبر من أشهر القديسين بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتم ذكر اسمه على عدد كبير من الكنائس والأديرة.