في ليبيا... أهوال لا توصف

أحياء ليبية بأكملها جرفتها المياه... معلومات مفصلة وروايات مؤثرة عن كارثة "دانيال"

غيرت كارثة إعصار "دانيال"، التي ضربت ليبيا، يوم الأحد الماضي، وجه الحياة في عدد من المدن الليبية، حيث أضحت أحياء بأكملها تحت المياه، التي اجتاحت مساحات شاسعة من البلاد بين ليلة وضحاها، مخلفة آلاف الضحايا وعشرات الآلاف من المشردين.
Sputnik
وتستمر وسائل الإعلام في بث الأنباء المأساوية من مدينة درنة في ليبيا، بعد مرور العاصفة "دانيال"، حيث أسفرت عن وفاة أكثر من 3800 شخص في المدينة وحدها، وفقًا للمتحدث باسم وزارة الداخلية في الحكومة الشرقية، فيما أعلن جهاز الإسعاف في ليبيا، اليوم الخميس، تسجيل أكثر من 5500 قتيل و10 آلاف مفقود و7 آلاف جريح في مختلف المدن المنكوبة، ولا يزال العدد مرشحا للزيادة.
وتتنوع بطبيعة الحال روايات الناجين من الكارثة بين من دفنوا ذويهم، وآخرين ما زالوا يبحثون بين الجثث التي ألقت بها المياه، في حين لا يزال العديد من الأشخاص في عداد المفقودين.
لم تقتصر الفاجعة على أبناء البلد وحده، بل سجلت السلطات عدد قتلى يتجاوز 400 شخص، من بينهم سودانيين ومصريين، فيما يتوقع رئيس بلدية درنة أن تتراوح حصيلة القتلى الإجمالية بين 18 ألفا و20 ألف شخص.
وفي سياق متصل، قال وزير الصحة في الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، عثمان عبد الجليل، إن جميع الجهود تركز على استخراج الجثث من المناطق المتأثرة بالإعصار، وأشار إلى أن عدد الوفيات يزداد يوما بعد يوم، حيث وصل إلى 2694 حتى الآن.
وتوقع الوزير أن يستمر ارتفاع هذا العدد يوميا، كما تم توثيق الأضرار الجسيمة التي لحقت بقرية المخيلي جنوبي مدينة درنة من خلال لقطات نشرتها وكالة "سبوتنيك".
في ليبيا... أهوال لا توصف
انهيار السدين... تفاصيل صادمة ومعلومات حول "المتهم الأول" في كارثة ليبيا
وأضاف عبد الجليل أن فرق وزارة الصحة الليبية تعمل بشكل مستمر مع الجهات الأخرى للبحث عن المفقودين، وأشار إلى أن الوزارة تمكنت من استعادة الخدمات الصحية في عدة مناطق في مدينة درنة، لافتا إلى أن الفرق الطبية تواجه صعوبات كبيرة في العمل داخل المدينة بسبب ضعف الاتصالات والأوضاع الإنسانية المأساوية التي نتجت عن الإعصار. وأكد أن الجميع في ليبيا يسعى جاهدا للتغلب على هذه الأزمة.

الهدوء الذي يسبق العاصفة

لم يظهر الإعصار "دانيال" فجأة في ليبيا، فقد تم رصده على الخرائط الجوية، في الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري، عندما تشكل في شمال المحيط الأطلسي، تم تصنيفه في البداية على أنه عاصفة استوائية من قبل مركز "الأعاصير الأمريكي".
وكان من المتوقع أن تصل العاصفة "دانيال" إلى الساحل الفرنسي، ولكن مع مرور الوقت، زادت قوتها وتحولت إلى إعصار، وتغير مساره نحو شرق المتوسط.
يقول الخبراء إن "إعصار "دانيال" ظاهرة نادرة في منطقة المتوسط، حيث تتشكل عادة الأعاصير في مناطق خطوط العرض الأدنى، وقد استمر إعصار "دانيال"، لعدة أسابيع، وهو أمر نادر في شمال الأطلسي".
وتشكل إعصار "دانيال" وبدأ في التحرك نحو اليونان وتركيا وبلغاريا، في نهاية الأسبوع الماضي، ووصل إلى الساحل الشرقي لليبيا، بعد ظهر يوم الأحد الماضي، وبدأ بضرب مدينة بنغازي، قبل أن يتجه شرقًا نحو مدن في الجبل الأخضر مثل شحات (قورينا) والمرج والبيضاء وسوسة (أبولونيا) ودرنة.
فيما يتعلق بهذا الموضوع، أشار الدكتور عبد المسيح سمعان، الأستاذ في كلية الدراسات العليا والبحوث البيئية في جامعة عين شمس في مصر، إلى وجود اختلاف بين الإعصار والعاصفة، حيث تتجاوز قوة الإعصار 200 كيلومتر في الساعة، بينما لا تتجاوز قوة العاصفة 90 كيلومترا في الساعة.
وأوضح أن "إعصار "دانيال" بدأ في أثينا كإعصار وتحول تدريجيا إلى شكل حلقة حلزونية وبدأ يدور حول مركزه كعين على البحر المتوسط، ثم دخل ليبيا كإعصار وتحول فيما بعد إلى عاصفة، بعدما فقد جزءا كبيرا من قوته، ومن ثم تحرك باتجاه مصر وتحول إلى منخفض جوي عميق، مما تسبب في هبوب رياح وهطول أمطار فقط".

"نجاتنا معجزة"

يسرد الناجون من الفيضانات جوانب من تجربتهم المأساوية، حين سمعوا صوتا يشبه الانفجار عندما انهار أحد السدود، ما تسبب في تدفق المياه بسرعة شديدة لتصل حتى الطوابق العليا من المباني، ما اضطر السكان إلى الهروب من أسطح المباني أو التشبث بالأثاث لساعات في غرف غمرتها المياه حتى السقف تقريبا.
شهد مدخل مدينة درنة ارتفاعا في مستوى مياه النهر وانهيار سدين بسبب العاصفة، ما أدى إلى اجتياح المياه لأرجاء المدينة، في ساعة مبكرة من صباح يوم الاثنين، ووجدت مجموعة من الناجين أنفسهم يبحثون عن مأوى بعد دمار منازلهم، وكان العديد منهم لا يزالون يرتدون ملابس النوم، بعد أن هربوا بشكل مفاجئ.
أحد الناجين يدعى رجاء ساسي (39 عاما)، نجا مع زوجته وطفلته بعدما وصلت المياه إلى الطابق العلوي من منزلهم، ولكن أفراد أسرته الآخرين لقوا حتفهم.
وصرح رجاء ساسي، قائلا: "في البداية، اعتقدنا أنها مجرد أمطار غزيرة، ولكن في منتصف الليل، سمعنا صوت انفجار هائل، فيما كان وسط المدينة مليئا بالجثث المتناثرة"، فيما وصفت زوجته نورية الحصادي (31 عاما)، التي تشبثت بابنتها الصغيرة أثناء هروبهما، نجاتهم بالـ"معجزة".

المياه وصلت للطابق الثالث

في السياق ذاته، قالت صفية مصطفى (41 عاما)، وهي أم لولدين، إنهم تمكنوا من الهروب من منزلهم قبل انهيار المبنى، وأضافت أنهم صعدوا إلى السطح وهربوا عبر أسطح المباني المجاورة، وقال ابنها، البالغ من العمر 10 سنوات، إنه كان يدعو الله أن ينجوا بحياتهم.
وأضافت صالحة أبو بكر، (46 عاما)، إنها نجت مع شقيقتيها من الكارثة، لكن والدتهن كانت داخل المبنى ولقت حتفها، وأضافت أن المياه سرعان ما غمرت المبنى ووصلت إلى الطابق الثالث، لافتة إلى أن المياه اندفعت إلى شقتهم حتى بلغت السقف تقريبًا، ولمدة ثلاث ساعات تقريبا، تشبثت بقطعة أثاث حتى تظل طافية.
وأوضحت أنه رغم استطاعتها السباحة، لكنها عندما حاولت إنقاذ عائلتها لم تتمكن من فعل أي شيء، ثم انحسرت مياه الفيضان وتمكنت هي وشقيقتيها من مغادرة المبنى قبل وقت قصير من انهياره، لكن والدتهن كانت بداخله وللأسف فقدت حياتها.
وكان الشاب المصري، عبد الرحمن هلال، من بين الناجين الأجانب من الإعصار، ويروي أنه كان يجلس في فناء في مدينة درنة، يوم الأحد الماضي، مع مجموعة من أصدقائه، وكانت السماء تمطر طوال اليوم وحتى الساعة الـ 2:30 صباحًا في اليوم التالي.
ويشير هلال إلى أنه "في تمام الساعة 2:30 صباحًا، سمع صوتًا يقرع على الباب، ففتح لمعرفة مصدر الصوت، وعند الساعة 2:30 صباحًا، كنا نائمين وسمعت صوت اصطدام، فنزلت لمعرفة من يقوم بالضرب على الباب، وعندما فتحت الباب، وجدت المياه تغمر الطابق الأول، وكان هناك أشخاص غارقون وآخرون يطفون على السطح، وعندما فتحت الباب، جرفتني المياه واصطدمت بالحائط".
ويؤكد عبد الرحمن: "كنت من بين الناس الذين غمروا في المياه، وجرفتني المياه إلى سطح الطابق الخامس في المبنى، وظللت جالسا على سطح المبنى لبعض الوقت حتى فقدت الوعي".

إرسال المساعدات

في برنامج "لقاء سبوتنيك"، أكد فرج الحاسي، مساعد رئيس غرفة الطوارئ المركزية في الأمانة العامة للهلال الأحمر الليبي، أن عمليات الإغاثة بدأت فور وقوع الإعصار، وخلال ساعات قليلة غمرت المدينة بالمياه.
وأشار إلى أن التحدي الرئيسي يكمن في تقسيم المدينة إلى جزئين بسبب المياه الجارفة، وتعرض عدد كبير من المباني للانهيار، حيث بلغ عددها أكثر من 350 مبنى، وتم تسجيل أكثر من 20 ألف نازح وأكثر من 9 آلاف بلاغ عن مفقودين.
وأوضح أن "فرق الهلال الأحمر تقوم بجهود كبيرة في عمليات البحث، ولكنها تواجه صعوبات جمة نتيجة لتضرر البنية التحتية وانقطاع الاتصالات والكهرباء، مما يعوق وصولها إلى المواقع المتضررة"، وأضاف أن "نقص العربات المجهزة بشكل كاف لمواجهة الفيضانات وإنقاذ المحاصرين يعد من بين التحديات الكبيرة التي تواجهها".

وقال تامر رمضان، رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في ليبيا، لـ"سبوتنيك" إن "عدد القتلى من المرجح أن يكون هائلا، ويمكن أن يصل إلى عشرات الآلاف"، مضيفا أن "فرق الصليب الأحمر لا تزال تقيّم الوضع على الأرض، وبالإضافة إلى الفيضانات التي تضررت منها مناطق في شرق ليبيا، تضررت أيضًا مدينة مصراتة في غرب البلاد".

يشار إلى أنه بعد تلقي رسائل التعزية والدعم، أعربت العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا والأمم المتحدة وقطر ومصر وتونس، عن استعدادها لتقديم المساعدة لفرق الإغاثة المحلية التي ظهرت في الصور التي نشرها السكان على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أبدوا دهشتهم من حجم الكارثة والمشهد المروع.
من جانبها، أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم أمس الأربعاء، عن إرسال مساعدة من ألمانيا ورومانيا وفنلندا إلى مدينة درنة في ليبيا، وصرح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أن آلية الدفاع المدني في الاتحاد الأوروبي قد تم تفعيلها، وأن المساعدة التي قدمتها ألمانيا ورومانيا وفنلندا في طريقها إلى ليبيا.
وتشمل هذه المساعدة فرقا ميدانية وخيامًا وأغطية ومولدات كهربائية ومواد غذائية وخزانات مياه، وفقا للبيان الصادر عن المفوضية، التي أشارت إلى استعداد الاتحاد الأوروبي لتنسيق عروض مساعدة أخرى، كما وصلت فرق الإنقاذ التي أرسلتها تركيا والإمارات إلى شرق ليبيا، وفقًا للسلطات.

أسباب عززت من الدمار الناتج عن الفيضان

الإعصار الذي تسبب في هذه الكارثة المروعة، جلب معه أمطارا غزيرة وضرب ساحل ليبيا، على البحر الأبيض المتوسط، وفي غضون أقل من 24 ساعة، بلغت كمية الأمطار المتساقطة 400 ملم، بينما يبلغ المعدل العادي لهطول الأمطار في البلاد 1.5 ملم، خلال شهر كامل.
أدى هذا الهطول الغزير إلى فيضانات مدمرة، حيث غمرت المياه سدودا رئيسية على نهر وادي درنة الذي يمر عبر المدينة، ما أدى أيضا إلى تدمير العديد من الجسور الرئيسية.
في ليبيا... أهوال لا توصف
متحدث حكومة الوحدة الوطنية وبرلمانيان يتحدثون لـ"سبوتنيك" عن تأثير العاصفة "دانيال" على بلادهم
ووفقا لشهود عيان في المدينة اللذين طلبت منهم السلطات المحلية البقاء في منازلهم، سمعوا دوي انفجار قوي قبل أن تغمر المياه المدينة، وأفادوا بأن ارتفاع المياه وصل في بعض المناطق إلى ما يقرب من 3 أمتار.

أسباب الدمار الهائل لدرنة

شهدت مدينة درنة دمارا هائلا بسبب الإعصار، وذلك لأنها تقع في منطقة جبلية شمال شرق ليبيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتنقسم المدينة إلى قسمين بواسطة وادي "درنة"، وهو واد كبير يعتبر أحد أكبر الأودية في ليبيا، وتشتهر المدينة أيضا بأراضيها الزراعية الخصبة بفضل وجود منبعين غزيرين للمياه، وهما "عين البلاد" و"عين بومنصور"، على الرغم من ندرة هطول الأمطار في المدينة، إلا أنها تتمتع بكميات كبيرة من المياه بفضل تدفق المنابع الجوفية.
وبالإضافة إلى ذلك، تعرض وادي درنة لفيضانات بسبب إعصار "دانيال"، ما أدى إلى ارتفاع مستوى المياه بشكل خطير، وصلت المياه إلى حد تهديد السدود الموجودة في الوادي، وفي النهاية تم تفجير السدود بسبب الضغط الزائد للمياه. تدفقت المياه بسرعة كبيرة عبر الأودية باتجاه ساحل البحر الأبيض المتوسط، وغمرت المدينة أثناء مرورها بها، نتج عن ذلك جرف المنازل وانهيار جميع الجسور الموجودة في المدينة.
في ليبيا... أهوال لا توصف
الدبيبة يعلن الحداد الوطني وتنكيس الأعلام لمدة 3 أيام على ضحايا العاصفة "دانيال".. فيديو وصور
ووفقا لتقارير إعلامية، فإن انهيار السدود في درنة ناتج عن كميات كبيرة من الأمطار، التي هطلت على المدينة بشكل غير متوقع، كما يمكن أن يعود انهيار السدود إلى عدم إجراء أعمال الصيانة اللازمة لهذه السدود القديمة، حيث تعرضت للإهمال منذ سقوط نظام القذافي، في عام 2011.

تسمية الإعصار

يشار إلى أن تسمية الإعصار الذي ضرب مدينة درنة في ليبيا قبل عدة أيام باسم "دانيال" جاء من قبل وكالة الأرصاد الجوية الأمريكية، حيث تقترح المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والهيدرولوجيا مجموعة من الأسماء للأعاصير في مناطق محددة، ويتم التوافق على الاسم من قبل الهيئات الإقليمية المعنية بالأعاصير المدارية، خلال دورتها السنوية.
وبدأت عملية تسمية العواصف والأعاصير، في القرن الماضي، بهدف تسهيل نقل رسائل التحذير للناس وتعزيز الوعي بضرورة اتخاذ التدابير الوقائية والحذر.
مناقشة