أزمة فقدان الأدوية في تونس تفاقم معاناة المرضى

تشهد تونس خلال الفترة الأخيرة موجة جديدة من الفيروسات الموسمية، تزامنت مع تسجيل نقص في عدد من أدوية الأمراض المزمنة داخل العديد من الصيدليات بمختلف المحافظات، وذلك على خلفية انتهاء التعاقد بين نقابة الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض.
Sputnik
وقد أثار هذا الوضع جملة من التساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الصحية على احتواء هذه التحديات المتداخلة، خاصة في ظل تزامن الضغط الوبائي مع أزمة في توفير الأدوية.
وفي هذا السياق، أكدت وزارة الصحة في بيان وصل "سبوتنيك" نسخة منه، أن هذه الفترة من السنة تعرف عادة ارتفاعا في انتشار الأمراض التنفسية، لا سيما الفيروسية منها، على غرار ما تشهده أغلب دول العالم، بما في ذلك تونس.
وأضافت الوزارة أن المعطيات المحينة على المستويين الوطني والدولي تفيد بأن الفيروسات المنتشرة حاليا معروفة ولا تثير القلق، مؤكدة أن الوضع الصحي في البلاد يبقى تحت السيطرة.
تونس... نقابة الصيدليات الخاصة تكشف سبب نقص الأدوية
وبالتوازي مع انتشار هذه الفيروسات، تواجه الصيدليات الخاصة في تونس صعوبات متزايدة، خصوصا بسبب تأخر خلاص مستحقاتها لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام"، وهو هيكل حكومي رسمي مكلف بإدارة نظام التأمين الصحي الاجتماعي في البلاد، الأمر الذي انعكس سلبا على توفر عدد من الأدوية الحيوية والأساسية في أغلب الصيدليات.
وفي هذا الإطار، أعلنت النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، عن نهاية الاتفاقية المنظمة للعلاقة بينها وبين الصندوق الوطني للتأمين على المرض في 31 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، مبررة ذلك بما وصفته بسنوات من الاضطلاع بدور "الممول القسري" للصندوق.
ما هو الفيروس المنتشر؟
في حديثه لـ "سبوتنيك"، أوضح أستاذ علم الفيروسات محجوب العوني أن الفيروس المتداول حاليا والمعروف باسم "متحور كيه" بدأ في الظهور منذ شهر أغسطس/ آب الماضي، قبل أن يشهد انتشارا متسارعا خلال الأشهر اللاحقة، مؤكدا أن أغلب المدن الأوروبية تعاني اليوم من تبعاته الصحية، خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة، حيث تمتد المخلفات الفيروسية في الجسم لفترات أطول.
وقال العوني أن "هذه السلالة ليست جديدة أو مستحدثة، وإنما تندرج ضمن التحورات السنوية التي تطرأ على السلالة الأصلية، وهو ما أكسبها قدرة أعلى على الانتشار والعدوى، مع احتفاظها بالخصائص المعروفة لفيروس الإنفلونزا".
وأشار في هذا السياق إلى أن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وذوي الهشاشة الصحية مطالبون بضرورة التلقيح والالتزام بتناول أدويتهم بانتظام، بما يتيح التعايش الآمن مع هذا الفيروس وتقليص مضاعفاته.
وأضاف أن منظمة الصحة العالمية تأخذ هذه التحورات بعين الاعتبار عند ضبط تركيبة اللقاحات الموسمية، بما يضمن نجاعة أكبر في الوقاية من السلالات المتداولة.
مسؤول تونسي يحذر من فقدان 95 نوعا من الأدوية الأساسية
كما شدد أستاذ علم الفيروسات على أهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية، وفي مقدمتها التلقيح، واحترام البروتوكول الصحي، من تباعد اجتماعي وارتداء الكمامات وغسل اليدين بانتظام.
وفي المقابل، عبر عدد من المختصين في المجال الطبي عن مخاوفهم من تسجيل وفيات، خاصة في صفوف كبار السن وحاملي الأمراض المزمنة، جراء هذا الفيروس، ولا سيما في ظل تواصل فقدان بعض الأدوية الحيوية من الصيدليات، رغم الجهود التي تبذلها السلطات الصحية لتدارك الأزمة والحد من تداعياتها.
نقص مقلق في الأدوية
وفي حديثه لـ "سبوتنيك"، أفاد الكاتب العام لنقابة أعوان الصيدليات الخاصة وعضو جامعة الصحة، هشام بوغانمي، في تصريح لـ "سبوتنيك"، بأن عددا من الصيدليات سجل فقدان أصناف مختلفة من الأدوية الحيوية التي لا يتوفر لها بديل علاجي في السوق التونسية، وفق تعبيره.
وقال بوغانمي أن "النقص المسجل في كميات الأدوية، إلى جانب نفاد مخزون الصيدليات الخاصة والعمومية من عدة أصناف أساسية، بات يشكل تهديدا حقيقيا لحياة المرضى، خاصة مرضى السرطان والمصابين بأمراض الغدة الدرقية".
وأضاف أن هذا النوع من الأمراض شهد تفاقما ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل توفير الأدوية الخاصة بها مسألة مصيرية لا تحتمل التأجيل، باعتبارها شرطا أساسيا لإنقاذ حياة المصابين.
نقص حاد في الأدوية يهدد حياة مئات المرضى التونسيين
وأرجع بوغانمي أزمة نقص الأدوية إلى شح السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية ( المكلفة بتوريد وتخزين وتوزيع الأدوية في تونس) نتيجة تراكم مستحقاتها غير المسددة لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" وعدد من المؤسسات العمومية، وهو ما حال دون قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها في الآجال المحددة، حسب قوله.
وبحسب تقديرات عدد من الخبراء، بلغت الديون المتخلدة بذمة المستشفيات والصناديق الاجتماعية لفائدة الصيدلية المركزية نحو 1.4 مليار دينار، وهو ما أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد وتراجع القدرة على تلبية الحاجيات الأساسية من الأدوية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات هذا الوضع على صحة المرضى، خاصة الفئات الهشة.
محاولات لتجاوز الأزمة
وفي تعليق لـ"سبوتنيك"، أفاد الخبير في الضمان الاجتماعي الهادي دحمان أن الأدوية قد تكون متوفرة فعليا، إلا أن المواطن لم يعد قادرا على الحصول عليها بعد إيقاف نقابة الصيادلة العمل بمنظومة الطرف الدافع، وهو ما زاد من تعقيد الأزمة على أرض الواقع.

وقال دحمان إن "إنهاء التعاقد بين نقابة الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض منذ ديسمبر الماضي ستكون له انعكاسات مباشرة على المنظومة الصحية التي يشرف على إدارتها الصندوق، لما يمثله هذا الإطار التعاقدي من ركيزة أساسية في ضمان النفاذ إلى العلاج".

وكشف الخبير في الضمان الاجتماعي أنه، في ظل فك الارتباط بين الطرفين، وجد عدد كبير من حاملي الأمراض المزمنة وأصحاب الجرايات وكبار السن، ممن يتحملون مصاريف علاج مرتفعة، صعوبات جدية في مجابهة كلفة التداوي، ما فاقم من هشاشتهم الصحية والاجتماعية.
أطباء يشتكون من فقدان أدوية معالجة الإدمان في تونس
وأشار دحمان إلى أن "وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية وإدارة الصندوق الوطني للتأمين على المرض بصدد البحث عن حلول لتطويق الأزمة"، مرجحا ألا تطول هذه الوضعية باعتبارها تمس بشكل مباشر حياة المواطنين وحقهم في العلاج.
ويرى دحمان أن نقابة الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض "يمتلكان القدرة على التوصل إلى اتفاقية جديدة، خاصة فيما يتعلق بتسوية الديون القديمة والتعهد بالديون المستجدة، بما من شأنه تسهيل حصول المواطنين على الأدوية وتخفيف العبء المالي عنهم".
وفي هذا الإطار، كان وزير الصحة قد دعا، في نهاية شهر أغسطس الماضي، خلال اجتماع رسمي، إلى وضع خطة وطنية شاملة تهدف إلى مجابهة النقص "الظرفي" في الأدوية وضمان استمرارية تزويد السوق التونسية بها.
كما تقرر خلال الاجتماع إلزام مصنعي الأدوية بالتصريح المنتظم بمخزوناتهم تفاديا لحالات النفاد المفاجئ، إلى جانب تعزيز التنسيق المسبق مع المخابر في حال تسجيل أي اضطراب في نسق الإنتاج.
مناقشة