ولم تكن جرمة مجرد مدينة أثرية، بل كانت عاصمة لإمبراطورية قوية هي مملكة الجرمنت، التي أسست نظاما عمرانيا وسياسيا واقتصاديا متقدما سبق كثيرا من الحضارات المعروفة، وأسهم في ربط الساحل الليبي بعمقه الأفريقي عبر شبكة معقدة من طرق التجارة والقوافل.
قراءة تاريخية شاملة لمسيرة المدينة وتحولاتها
ويستعرض المؤرخ، سعود الخير حمتون، في هذا السرد التاريخي قراءة موسعة في نشأة مدينة جرمة، وحدودها الجغرافية، ونظامها الاجتماعي والسياسي، وتطورها العمراني، وصراعاتها العسكرية، وعلاقاتها مع القوى الكبرى، وصولًا إلى دخول الإسلام وما تلاه من تحولات تاريخية رسمت ملامح إقليم فزان حتى العصر الحديث.
مدينة جرمة، ليبيا
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
نشأة المدينة وتطورها العمراني والحضاري
قال حمتون: إن "مدينة جرمة تعد من أقدم المدن التاريخية، إذ جرى اكتشافها في القرن الأول للميلاد. وكانت ليبيا في العصور القديمة تتكون من 5 مدن رئيسية هي: قورينا، ولبدة، وصبراتة، وأويا، وجرمة، وشكّلت هذه المدن مراكز حضارية وسياسية مهمة في شمال أفريقيا. وقد سكنت هذه المناطق 5 قبائل رئيسية هي: التحنو، الليبو، الوشواش، المكاو، والجرمنت".
أبواب جرمة والتحصينات الدفاعية
وأوضح حمتون في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "إمبراطورية جرمة تأسست في الجنوب الغربي من ليبيا، واعتمد سكانها في بداياتهم على حفر الكهوف، ثم تطور نمط البناء تدريجيا حتى شُيّدت مدينة متكاملة تحيط بها المياه من جميع الجهات، ما منحها طابعا دفاعيا واقتصاديا فريدا، وشهدت المدينة تعاقب 3 مراحل حضارية رئيسية هي: حضارة ما قبل التاريخ، وحضارة الجرمنت، ثم الحضارة الإسلامية".
وأوضح أن "مدينة جرمة كانت تضم 3 أبواب رئيسية، كان أبرزها الباب الرئيسي المعروف باسم باب سيدي علاك أو باب سيدي عبد العزيز، وكانت هذه الأبواب تُغلق بالكامل عند تعرض المدينة لأي تهديد، إذ كان السكان يتحصنون داخل القلاع والأسوار الدفاعية".
وأشار إلى أن "الجرمنت اتخذوا من الجنوب الغربي الليبي دولتهم، وحددت حدودها الإدارية شمالا بالجبال الحمر أو الجبال السود، وجنوبا بجبال تيبستي وجبال غنيمة المتاخمة للحدود الجزائرية، وقد بُنيت المدينة على هيئة جزيرة مائية، وجُهزت بقلاع كبيرة، وتضم أكثر من 30 قصرا موزعة داخل المدينة، وهو عدد يعكس مدى القوة السياسية والاقتصادية التي تمتعت بها جرمة مقارنة ببقية مدن الجنوب الليبي".
نظام الحكم الأرستقراطي والبنية القبلية
وأضاف أن "نظام الحكم لدى الجرمنت كان نظاما أرستقراطيا، إذ كان الملك يعد الإله الأعظم ورئيس المدينة في آن واحد، وتمتعت كل قبيلة بكيانها الخاص ورمزها المستقل، وجرى فتح مدينة جرمة عام 660 ميلادية، مع دخول الإسلام إلى المنطقة".
مدينة جرمة، ليبيا
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
مدينة مدفونة وتاريخ لم يُكشف بعد
وتحدث المؤرخ، سعود الخير حمتون، عن وجود مسارات حجرية داخل المدينة كانت مهيأة لحركة العربات المجرورة، وذلك لتسهيل عمليات الحفر والتنقل والبناء، ومنع دخول الآلات الثقيلة حفاظا على البنية العمرانية"، وأوضح أن "المدينة رُدمت بالكامل عبر الزمن، وأن ما كُشف عنه حتى الآن لا يتجاوز 10% فقط من حجم المعلومات الحقيقية المتاحة عن حضارة الجرمنت، في حين لا تزال مساحات واسعة من تاريخهم مجهولة".
و"عند استقرار الجرمنت في جنوب غرب ليبيا بالقرب من جبل زنكيكرا، شُيّدت المدينة من خليط بشري متعدد القوميات، حيث تم اكتشاف أكثر من 120 ألف قبر تعود لفترة ما قبل الميلاد، وهو عدد كبير جدا قياسا بعدد السكان في ذلك الزمن، ما يدل على امتداد زمني طويل وتعاقب أجيال عديدة"، بحسب حمتون.
مدينة جرمة، ليبيا
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
وأكد حمتون أن "المياه لعبت دورا أساسيا في استقرار مملكة الجرمنت، إذ عملوا على إنشاء قنوات مائية تمتد من الأودية المحيطة لسحب المياه إلى داخل المدينة والمزارع، باستخدام تقنية هندسية فريدة لا تزال مجهولة حتى اليوم، كما امتلك الجرمنت شبكة طرق للقوافل تمتد من شمال إفريقيا إلى عمق القارة الأفريقية، إضافة إلى طريق قادم من الجزائر وصولا إلى قرطاجنة، وطريق ثالث يربطهم بمناطق الفراعنة".
الملح ثروة استراتيجية لمملكة جرمة
وأوضح أن "الملح كان يعد أغلى من الذهب في تلك الفترة، وكانت جرمة تمتلك كميات كبيرة منه، ما جعلها مملكة غنية بالثروات الطبيعية والتجارية، ولا تزال بعض الآبار قائمة حتى الوقت الحاضر، تزود بالمياه عبر القنوات التي أنشأها الجرمنت خلال فترة حكم استمرت سبعة قرون".
الصراعات العسكرية مع اليونان والرومان
وبيّن أن "الجرمنت دخلوا في صراعات عسكرية مع اليونانيين والرومان، ويُقال إنهم كانوا أول من روّض الخيل وأول من ابتكر العربات، وهو ما شكّل مفاجأة كبرى للرومان وأسهم في هزيمتهم في أكثر من محاولة غزو، كما تعرّضت المدينة لمحاولات تخريب داخلية وخارجية، أبرزها أحداث عام 395 ميلادية، التي أدت إلى محرقة داخل المدينة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم".
وأضاف: أنه "في عهد القائد الليبي، سبتيموس سيفيروس، تحسنت العلاقات بين الجرمنت والرومان، وأصبحت هناك علاقات سياسية وتجارية متبادلة، وسافر ملك جرمة إلى روما، ما أدى إلى تأثر الجرمنت بالفن الروماني، وهو ما يظهر في بعض المنحوتات والنقوش المكتشفة".
مدينة جرمة، ليبيا
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
وتابع أنه "مع وصول الإسلام عام 660 ميلادية، بقيادة القائد المسلم عقبة بن نافع، دخلت جرمة مرحلة جديدة من تاريخها، حيث سقطت المدينة سلميا، وبُنيت فيها 3 مساجد، مع الحفاظ على بعض الملامح العمرانية السابقة".
وأشار إلى أن "المدينة تعرضت لاحقا للإهمال والتنقيب العشوائي والسرقات، رغم كونها واحدة من أقدم الحضارات في العالم، بل وأقدم من الحضارة الفرعونية بنحو 2500 عام، وتضم جرمة 6 مواقع أثرية رئيسية، من بينها موقع المدينة القديمة، والمقبرة الملكية، والنصب التذكاري لملك الجرمنت، إضافة إلى أكثر من 30 قلعة منتشرة في منطقة وادي الحياة، ولا تزال قلعة سبها قائمة حتى اليوم".
من الجرمنت إلى الطوارق: الامتداد التاريخي لفزان
وأكد المؤرخ أن "حضارة الجرمنت استمرت في كامل إقليم فزان، وتحوّل اسمهم لاحقا إلى الطوارق، قبل انتقال الحكم إلى مدينة زويلة، ثم مرزق، وصولا إلى العهد العثماني، فالاستعمار الإيطالي، ثم مرحلة الكفاح الوطني، إلى أن نالت ليبيا استقلالها عام 1951 ميلادية".