حلاق يواصل عمله بين أنقاض غزة ويحول الدمار إلى أمل في الحياة... فيديو

بين الركام والدمار المنتشر في غزة، والذي خلفته الحرب الإسرائيلية على مدار أكثر من سنتين، يشرق أمل رغم قتامة المشهد، من خلال إصرار السكان على تحويل الدمار إلى فرصة للحياة من جديد، حتى أصبحت أنقاض المنازل تتحول إلى مخابز ومشاغل وصالونات، في محاولة لمواجهة آثار الحرب المدمرة.
Sputnik
ومن بين المشاهد التي تظهر معاني الصمود والبقاء، هو صالون الحلاقة في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة للحلاق، باسم الغفري، الذي ترك منزله وصالون الحلاقة خلال الحرب، ونزح نحو جنوبي القطاع تحت وطأة القصف، وبعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عاد باسم مع عائلته ليجد منزله المكون من ثلاثة طوابق مدمر ومحله تحت الأنقاض.

ولم يفقد الشاب باسم الأمل بمهنته التي تمثل له مصدر رزق، فتمسك في محاولة البحث تحت الأنقاض عن أدوات الحلاقة الناجية من القصف، وعلى مدار أيام عدة من البحث وجد بعضها، ومن ثم قرر تحويل جزء من ركام منزله إلى صالون حلاقة يخدم سكان الحي الذي يعيش فيه.

حلاق يواصل عمله بين الأنقاض في غزة ويحول الدمار إلى أمل في الحياة
ويقول الحلاق باسم الغفري لوكالة "سبوتنيك": "بعد نزوح طويل وصعب عدنا إلى غزة، لنجد المنزل مدمر والمحل تحت الأنقاض، ولدي أطفال وعائلة ولا يوجد مصدر دخل، فقمت بتحدي الواقع والبحث تحت الركام لمدة 5 أيام عن بقايا أدوات الحلاقة الناجية، ووجدت بعضها وقمت بشراء بعض الأدوات التي أحتاجها بالعمل، وتغلبت على مشكلة انقطاع الكهرباء لتشغيل ماكينات الحلاقة الحديثة، من خلال العودة إلى المقص اليدوي والموس التقليدي، وكما ترى استقبل أبناء الحي تحت ركام منزلي، ونجحت في توفير مصدر دخل لعائلتي، وكذلك توفير صالون حلاقة للمواطنين".

وقام الغفري بتجهيز المكان رغم خطورته، وأزاح بعض الركام المتراكم من أمام المحل، ووضع أدوات الحلاقة، وبدأ يحلق شعر الرأس لأحد الزبائن، وتغمره ضحكة لا تخفي حزنا على واقع أليم يعيشه سكان قطاع غزة.

ويضيف: "نجحت في تنظيف مساحة لا تتجاوز ستة أمتار مربعة، هي كل ما تبقى من زاوية المحل القديم، وبدلا من الكرسي الهيدروليكي، استخدمت كرسيا بلاستيكيا قديما، ولتوفير المياه في الصالون قمت بوضع خزان مياه فوق الركام، ومن خلال استخدام وصلات وحوض بلاستيكي تغلبت على مشكلة انقطاع المياه، واستخدمت مرآة مكسورة لكنها المتوفرة، ووضعت إطار لها وثبتها بعناية على الجدار المتهالك للغرفة، وكل يوم أحاول إضافة شيء في المكان ولو كان بسيط مثل مقعد من حجر، أو أي شيء يشعر الناس بوجود أمل في الحياة من جديد وسط هذا الدمار".
حلاق يواصل عمله بين الأنقاض في غزة ويحول الدمار إلى أمل في الحياة
ويشير المواطن موسى أحمد إلى أن صالون باسم يجسد إرادة الحياة التي لا تنكسر، حيث يكشف هذا المكان عن جانب من صمود سكان غزة في مواجهة التحديات الإنسانية القاسية.

ويقول المواطن موسى لـ "سبوتنيك": "المكان خطر وغير آمن، بسبب احتمال انهيار ما تبقى من ركام، لكننا مضطرون للحلاقة هنا والتكيف مع الظروف التي نعيشها في ظل الدمار الذي أصاب الحي بالكامل، وقبل الحرب تعودنا على القدوم إلى صالون باسم، فهو خبير في الحلاقة، وكان محله كبير وجميل ومجهز بكل الوسائل، والآن لا نكاد نرى أنفسنا في المرأة المعلقة أمامنا، ولكننا تعودنا على مواجهة الظروف الصعبة، وخلال النزوح قمت بحلاقة شعري في الشارع واليوم بين الركام، والحمد لله رب العالمين".

ويضيف المواطن إبراهيم محمد: "ما زلت أتذكر المكان قبل الدمار، لقد كنت أجلس في صالون باسم على كنب مريح وأمامي شاشة كبيرة، واليوم انتظر دوري بالحلاقة وأنا جالس على ركام المنزل والمحل، ولا يوجد بديل في ظل هذه الظروف، بل إن ما قام به باسم هو مبادرة رائعة تجاه المواطنين، فلا يوجد في المنطقة حلاق آخر غيره، ورغم خطورة المكان ألا أنه وفر لنا خدمة مهمة".
حلاق يواصل عمله بين الأنقاض في غزة ويحول الدمار إلى أمل في الحياة
ويصف باسم الغفري صالون الحلاقة، بأنه رسالة تحدي للدمار ورفضا للاستسلام للبطالة أو الاكتفاء بانتظار المساعدات، وقد أصبح هذا المكان يستعيد فيه أهالي الحي جزءا من حياتهم الطبيعية المفقودة، حيث يتوافد الزبائن إليه للحلاقة، ولمشاركة باسم رسالته وإصراره على الصمود والبقاء بين الركام والدمار.

ويقول باسم لوكالة "سبوتنيك": "صالون الحلاقة كان مجهز بكل شيء قبل الحرب، وهذا الحي كان يعج بالناس، لكننا اليوم بحاجة إلى الصمود أكثر من أي وقت مضى، ورغم قسوة الظروف وانعدام الأساسيات، يجب توفير الطعام لعائلتي، لذلك قررت منذ رؤية مشهد الدمار في المكان، أن أعمل فوق الركام ولا أكتفي بالبقاء".

وبات كثير من أهالي قطاع غزة يلجؤون للعيش تحت ركام منازلهم، هربا من البرد القارس الذي مزق خيامهم المهترئة، رغم النداءات المتكررة لتجنب الأمر خاصة بعد انهيار عدد من المباني المتصدعة، ومنهم من أعاد فتح ما تبقى من محالهم التجارية وأماكن عملهم، لتوفير مصدر دخل لعائلتهم.
حلاق يواصل عمله بين الأنقاض في غزة ويحول الدمار إلى أمل في الحياة
ومنذ بداية فصل الشتاء، انهار أكثر من 50 منزلا ومبنى في قطاع غزة، وقتل 24 فلسطينيا، حسب بيانات رسمية، فالبيوت الآيلة للسقوط بدأت تتهاوى وتتشقق جدرانها، ولم تعد شاهدة على حرب استمرت أكثر من عامين فقط، بل أصبحت خطرا يهدد حياة الفلسطينيين، الذين يضطرون للعيش فيها في ظل أزمة إيواء خانقة وانعدام البدائل الآمنة.
وبحسب الأرقام التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فقد ألقى الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة خلال الحرب، وأعلن المكتب الحكومي أنَّ نسبة الدمار في القطاع بلغت نحو 90%.
مناقشة