ومن بين المشاهد التي تظهر معاني الصمود والبقاء، هو صالون الحلاقة في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة للحلاق، باسم الغفري، الذي ترك منزله وصالون الحلاقة خلال الحرب، ونزح نحو جنوبي القطاع تحت وطأة القصف، وبعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عاد باسم مع عائلته ليجد منزله المكون من ثلاثة طوابق مدمر ومحله تحت الأنقاض.
ويقول الحلاق باسم الغفري لوكالة "سبوتنيك": "بعد نزوح طويل وصعب عدنا إلى غزة، لنجد المنزل مدمر والمحل تحت الأنقاض، ولدي أطفال وعائلة ولا يوجد مصدر دخل، فقمت بتحدي الواقع والبحث تحت الركام لمدة 5 أيام عن بقايا أدوات الحلاقة الناجية، ووجدت بعضها وقمت بشراء بعض الأدوات التي أحتاجها بالعمل، وتغلبت على مشكلة انقطاع الكهرباء لتشغيل ماكينات الحلاقة الحديثة، من خلال العودة إلى المقص اليدوي والموس التقليدي، وكما ترى استقبل أبناء الحي تحت ركام منزلي، ونجحت في توفير مصدر دخل لعائلتي، وكذلك توفير صالون حلاقة للمواطنين".
ويضيف: "نجحت في تنظيف مساحة لا تتجاوز ستة أمتار مربعة، هي كل ما تبقى من زاوية المحل القديم، وبدلا من الكرسي الهيدروليكي، استخدمت كرسيا بلاستيكيا قديما، ولتوفير المياه في الصالون قمت بوضع خزان مياه فوق الركام، ومن خلال استخدام وصلات وحوض بلاستيكي تغلبت على مشكلة انقطاع المياه، واستخدمت مرآة مكسورة لكنها المتوفرة، ووضعت إطار لها وثبتها بعناية على الجدار المتهالك للغرفة، وكل يوم أحاول إضافة شيء في المكان ولو كان بسيط مثل مقعد من حجر، أو أي شيء يشعر الناس بوجود أمل في الحياة من جديد وسط هذا الدمار".
ويشير المواطن موسى أحمد إلى أن صالون باسم يجسد إرادة الحياة التي لا تنكسر، حيث يكشف هذا المكان عن جانب من صمود سكان غزة في مواجهة التحديات الإنسانية القاسية.
ويضيف المواطن إبراهيم محمد: "ما زلت أتذكر المكان قبل الدمار، لقد كنت أجلس في صالون باسم على كنب مريح وأمامي شاشة كبيرة، واليوم انتظر دوري بالحلاقة وأنا جالس على ركام المنزل والمحل، ولا يوجد بديل في ظل هذه الظروف، بل إن ما قام به باسم هو مبادرة رائعة تجاه المواطنين، فلا يوجد في المنطقة حلاق آخر غيره، ورغم خطورة المكان ألا أنه وفر لنا خدمة مهمة".
ويصف باسم الغفري صالون الحلاقة، بأنه رسالة تحدي للدمار ورفضا للاستسلام للبطالة أو الاكتفاء بانتظار المساعدات، وقد أصبح هذا المكان يستعيد فيه أهالي الحي جزءا من حياتهم الطبيعية المفقودة، حيث يتوافد الزبائن إليه للحلاقة، ولمشاركة باسم رسالته وإصراره على الصمود والبقاء بين الركام والدمار.
وبات كثير من أهالي قطاع غزة يلجؤون للعيش تحت ركام منازلهم، هربا من البرد القارس الذي مزق خيامهم المهترئة، رغم النداءات المتكررة لتجنب الأمر خاصة بعد انهيار عدد من المباني المتصدعة، ومنهم من أعاد فتح ما تبقى من محالهم التجارية وأماكن عملهم، لتوفير مصدر دخل لعائلتهم.
ومنذ بداية فصل الشتاء، انهار أكثر من 50 منزلا ومبنى في قطاع غزة، وقتل 24 فلسطينيا، حسب بيانات رسمية، فالبيوت الآيلة للسقوط بدأت تتهاوى وتتشقق جدرانها، ولم تعد شاهدة على حرب استمرت أكثر من عامين فقط، بل أصبحت خطرا يهدد حياة الفلسطينيين، الذين يضطرون للعيش فيها في ظل أزمة إيواء خانقة وانعدام البدائل الآمنة.
وبحسب الأرقام التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فقد ألقى الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة خلال الحرب، وأعلن المكتب الحكومي أنَّ نسبة الدمار في القطاع بلغت نحو 90%.