ومع صدور تقرير السعادة العالمي 2026، تتجدد النقاشات حول ترتيب الدول العربية ومعايير قياس جودة الحياة ومدى انعكاس هذه المؤشرات على الواقع الفعلي للمواطنين. فهل تعكس الأرقام حقيقة شعور الناس بالرضا؟ وما دور الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والخدمات الأساسية في تشكيل المزاج العام؟ .. في هذه الحلقة نحاول قراءة المؤشر من زوايا اجتماعية ونفسية لفهم ما وراء أرقام السعادة في المنطقة.
أكدت الأخصائية النفسية سارة ملحس أن تقرير السعادة العالمي 2026 لا يعتمد على المزاج اللحظي للأفراد، بل يقوم أساسًا على تقييم ذاتي شامل يقدّمه الفرد لمدى رضاه عن حياته على مقياس من صفر إلى عشرة، في ضوء حالته النفسية العامة وظروفه المعيشية.
وأوضحت ملحس، في تصريحات خاصة لراديو سبوتنيك، أن مؤشر السعادة العالمي يستند إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها نصيب الفرد من الناتج المحلي، وجودة البنية التحتية، وتوافر الخدمات الصحية، وشبكات الأمان النفسي والاجتماعي، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية أخرى تسهم مجتمعة في رفع مستوى الرضا عن الحياة.
وأضافت أن تصدّر بعض دول الخليج ترتيب الدول العربية في المؤشر، مثل الإمارات العربية المتحدة، وصعود السعودية في التصنيف، يعكس ارتباط السعادة عادة بمستوى جودة الحياة والرفاهية والاستقرار السياسي والأمني، مؤكدة أن هذه العوامل شكلت قاعدة أساسية لتحسن ترتيب هذه الدول خلال السنوات الأخيرة. وأشارت إلى أن الواقع الاقتصادي يمثل عنصرًا حاسمًا في تحديد مستوى السعادة، إذ يساهم الاستقرار المادي في تعزيز قدرة الفرد على التكيف مع محيطه والتخطيط لمستقبله وتحقيق ذاته، ما يرفع من مستوى شعوره بالرضا والسيطرة على مسار حياته.
لكن السعادة ليست مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية، بل هي حالة نفسية معقدة تتشكل من شعور الإنسان بالأمان والانتماء والقدرة على التخطيط للمستقبل.
فكيف ينعكس غياب الاستقرار السياسي أو ارتفاع الضغوط المعيشية على الحالة النفسية للأفراد؟ وهل تستطيع الروابط الاجتماعية في المجتمعات العربية تعويض جزء من آثار الأزمات؟.
أكد أستاذ الطب النفسي بجامعة جامعة عين شمس الدكتور محمود الحبيبي أن مفهوم السعادة يظل مفهوما فلسفيا واجتماعيا واسعا، بينما يركز الطب النفسي الحديث بصورة أكبر على مفهوم الصحة النفسية بوصفها المؤشر الأكثر دقة لقياس قدرة الإنسان على التكيف مع حياته وظروفه.
وأوضح الحبيبي، في تصريحات خاصة لـ"راديو سبوتنيك"، أن تعريف الصحة النفسية وفق منظمة الصحة العالمية يشير إلى قدرة الفرد على إدراك إمكاناته، وتحمل الضغوط اليومية العادية، والتفاعل مع المجتمع، والتعلم والإنتاج، والاستمتاع بأوقات الفراغ، لافتا إلى أن هذه العناصر تمثل أساس التوازن النفسي السليم.
وأشار إلى أن التعرض لضغوط شديدة مثل الحروب والأزمات الكبرى يؤثر بطبيعته في الصحة النفسية، لكنه لا يعد اضطرابا مرضيا بالضرورة، بل يمثل استجابة إنسانية طبيعية لظروف استثنائية، موضحا أن الأفراد في مناطق النزاعات المباشرة غالبا ما يستعيدون قدرا من الأمل والتفاؤل فور انتهاء التهديدات اليومية، بينما يظهر لدى سكان المناطق المحيطة بالأزمات ما يعرف بـ"القلق الجمعي" الناتج عن توقعات غير مؤكدة ومخاوف ممتدة زمنيا.