وتبرز قصة المسن محمد زملط، الذي فقد أولاده وبيته خلال الحرب، إذ لم يكتف بالجلوس داخل خيمة النزوح، بل خط بحبره ألم غزة وفرحها، في لوحات جسدت مقتل أبنائه الثلاثة، وصمود المرأة الفلسطينية، وحلم العودة إلى حياة آمنة كريمة، وأفراح غزة وأحلام سكانها.
ويقول محمد زملط، لوكالة "سبوتنيك": "الظروف الصعبة التي عشتها، هي التي دفعتني إلى حمل القلم والورقة، لأرسم ما جرى من استشهاد أبنائي الثلاثة شادي، علي، وعبد الله، إلى جانب استشهاد أبناء الشعب الفلسطيني، وأعتبر فتيان وفتيات وأطفال قطاع غزة كلهم أبنائي، وأشعر بهم كأنهم من صلبي".
وأضاف: "من خلال القلم والورقة أرسم الفرح والمأساة، كي يشهد العالم أجمع على معاناة غزة والمرأة الفلسطينية، وهي تصرخ إلى رب العالمين أمام أشلاء أبنائها، والحنَّاء تلوح على قدميها رغم ما أصابها".
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
ونزح زملط من شمال القطاع إلى مخيم البريج وسط القطاع، بعدما فقد بيته الكبير وأبنائه، ونزحت معه ذاكرة مثقلة بالفقد والألم، ولم يجد المسن السبعيني وسيلة أفضل من القلم والورقة ليحكي ما عجز عنه اللسان، في خيمة لا تتسع إلا لبعض الذكريات، ويجلس حاملا أدوات الرسم المتواضعة والمتوفرة، ليخرج من أعماقه لوحات تجسد الحرب وما خلفته، ولكنها لا تنسى الفرح والأمل بالمستقبل، حتى أصبحت رسوماته تتجاوز الخطوط والأوان، لتكون توثيقا للحياة وللموت ولفترة شاهدة على أصعب مرحلة عاشها القطاع.
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويقول زملط: "مع كل هذا الألم الذي عشته خلال الحرب، لكني لا أنسى أفراحنا السابقة، ولا عاداتنا القديمة والحديثة، وأرسم المرأة الفلسطينية وهي ترتدي الثوب بأنواعه، وتحمل الجَّرة على رأسها وتتزين بالزهر، إلى جانب شجر الصبار، وهذه الرسومات هي ما رأيتها خلال سنوات عمري، وتعبر عن كل ما نمر به، وعن كل لحظة تمر بها الأمهات الفلسطينيات والأطفال والشيوخ والكبار، وكيف يفقدون أبناءهم، وكيف تجري الحياة اليومية، وأرسم معاناة الأطفال الصغار وفرحهم أيضا".
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
لم تمر لوحات المسن زملط مرور الكرام على سكان مخيم النزوح، بل تحولت خيمته الصغيرة إلى مزار إنساني، يأتي إليه الناس من أماكن عديدة، ليشهدوا كيف يخرج هذا المسن من ركام الألم لوحات تنبض بالحياة.
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
وتقول النازحة زينب محمود لوكالة "سبوتنيك": "إن الرسومات التي يرسمها الحاج زملط تحمل من الصدق ما يفوق ما تنقله الكاميرا، وذلك لأنها تعبر عن كل ما نمر به، وتجسد كل ما تعانيه الأم الفلسطينية، والأطفال والشيوخ والكبار، من مشاهد الفقدان الموجعة، فهذه اللوحات تنقل كيف يفقدون أبناءهم، وكيف تجري الحياة اليومية في ظل هذا الدمار، وكيف يذهب الأطفال إلى مدارسهم وربما لا يعودون منها إلا شهداء، تُجمع أشلاؤهم في الطرقات، بينما تهرع أمهاتهم صارخات، يندبن أبناءهن بحرقة لا توصف، وهي لوحات رائعة وجميلة ووثائق للتاريخ".
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويراقب الأطفال الصغار المسن محمد زملط وهو يرسم، ويعطيهم ألوانه ليجربوا الرسم، وكأنه يورثهم وسيلة أخرى للتعبير، بالفن الذي يعتبر أحد أشكال المقاومة الصامتة، ولا تباع لوحات المسن زملط في الأسواق، بل هي وثائق للزمن القادم، شاهدة على حياة مرت بتفاصيلها الصعبة والجميلة، ويشير زملط إلى أن الفن يبني من خلال اللوحات سلاحا وجوديا ونصا بصريا يفضح الجرائم التي قد تنسى مع مرور الأيام.
مسن فلسطيني سرقت الحرب أقماره فرسم من خيمة النزوح ألم غزة وفرحها
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويضيف زملط: "أهم لوحة رسمتها هي لوحة أبنائي الثلاثة الذين فقتهم خلال الحرب، ورسمت أبنائي وأنا أضمهم إلي، ووضعت همي وحزني وتركيزي في هذه اللوحة، لقد بكيت وأنا أرسم، ولا زلت أحلم بأن تنتهي هذه الحرب، وأن تعم السعادة على الشعب الفلسطيني عامة، وأن يعيشوا في مساكن طيبة، وحياة هنيئة وتنبت الأشجار، فهذه هي الحياة التي أحلم بها، وإن لم أرها أنا، فأتمنى أن يراها أولادنا الصغار وأبناء أبنائنا، وجميع أبناء الشعب الفلسطيني ، لعل الله يحقق لهم الأمل الذي نتطلع إليه".