مقترحات لإنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة عبر حيفا... ما الفرص والمخاطر المحتملة

ذكرت تقارير صحفية غربية، أن دول الخليج تدرس توسيع خطوط أنابيب النفط الخاصة بها إلى ما وراء مضيق هرمز في محاولة لتجاوز الاعتماد على الممر المائي الحيوي للخليج العربي للصادرات.
Sputnik
وفق ما ورد في عدد من الصحف، فإن أحد الخيارات الرئيسية التي تم فحصها يتضمن طريقا تجاريا يربط شبه الجزيرة العربية بالبحر الأبيض المتوسط عبر ميناء حيفا.
وتشير التقارير إلى أن المشاريع الجديدة التي يجري النظر فيها لا تشمل فقط خط أنابيب جديد أو توسيع البنية التحتية الحالية، بل تشمل إنشاء شبكة جديدة من خطوط الأنابيب والقطارات والطرق التي من شأنها أن تسمح لنا بالتوقف عن الاعتماد على مضيق هرمز.
حول المشروع المقترح، تحدثت مجموعة من خبراء الاقتصاد لـ"سبوتنيك"، بشأن الكلفة الاقتصادية والمخاطر الأمنية، والأبعاد السياسية للمشروع، خاصة فيما تعلق بملف التطبيع مع إسرائيل.
"شرايين نفط" أنقذت صادرات العرب... كيف تتجنب دول الخليج أزمة المضائق وتتجه لـ"عبور الصحراء"؟
قال الدكتور زياد أيوب عريش، المستشار الاقتصادي وخبير شؤون الطاقة السوري، إن مشروع خط أنابيب (الخليج - حيفا)، يقع في قلب أمن الطاقة العالمي المعاصر، تزامنا مع طموح المملكة العربية السعودية لرفع صادراتها عبر البحر الأحمر من 4 إلى 7 ملايين برميل يوميا.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن المملكة نجحت في استغلال خط الأنابيب (شرق-غرب) "بترولاين" لتعويض النقص الناتج عن إغلاق "مضيق هرمز"، حيث يضخ الخط حاليا 4 ملايين برميل يوميا تُصدر عبر "ميناء ينبع"، بينما يوجه الجزء المتبقي للمصافي المحلية والتصدير عبر الخليج العربي.
وأكد أن البحر الأحمر بات يمثل حاليا "الرئة" التي تتنفس منها أسواق النفط العالمية، في حين أن إمكانية تنفيذ مشروع خط أنابيب حيفا تظل متوسطة إلى منخفضة على المدى القصير، لكنها تظل ضرورة استراتيجية على المدى الطويل من المنظور السعودي.
وأوضح أن دول الخليج أدركت أن الاعتماد الحصري على مضيق هرمز يمثل "نقطة اختناق" قاتلة، مما يدفع الجميع للبحث عن بدائل لتوزيع المخاطر وتقليل التكاليف.
بريطانيا تعتزم نشر منظومة دفاع جوي في الكويت عقب هجوم بطائرات مسيرة على منشأة نفطية

العقبات السياسية والقضية الفلسطينية

وشدد المستشار الاقتصادي على أن "العقبات السياسية تظل التحدي الأكبر، حيث يتطلب مرور المشروع عبر ميناء حيفا تطبيعا كاملا للعلاقات السعودية-الإسرائيلية، وهو أمر بالغة الصعوبة في ظل الحرب الحالية على غزة والحساسيات العربية والإسلامية، دون التزام واضح بتطبيق قرارات مجلس الأمن وإقامة الدولة الفلسطينية".
وأشار إلى أن النقاش انتقل من "الدراسة النظرية" إلى "التنفيذ المنظر"، مع بقاء بدائل أخرى قيد الدراسة تشمل المرور عبر الأردن وسوريا ولبنان بعيدا عن إسرائيل.

التكلفة المالية والمخاطر الهندسية

وحول الجدوى الاقتصادية، قال إن الموارد اللازمة للمشروع ضخمة جدا، حيث تُقدر كلفة كل 100 كيلومتر بنحو نصف مليار دولار، مما يجعل التكلفة الإجمالية للمشروع المقترح (1200 كم) لا تقل عن 6 مليارات دولار، وهو رقم تضاعف مؤخرا نتيجة ارتفاع أسعار الفولاذ والنحاس ومواد البناء.

وأضاف عريش أن المسارات الأكثر تعقيدا التي تمر عبر عدة دول (مثل الأردن أو العراق أو سوريا) قد تقفز تكلفتها إلى ما بين 15 و20 مليار دولار، نظرا للحاجة إلى اتفاقيات عبور ومراقبة أمنية متعددة الأطراف لمواجهة مخاطر التخريب أو الألغام الأرضية، فضلا عن التحديات الهندسية والبيئية في المناطق الصحراوية والجبلية الصعبة.
العراق يفتح بوابة النفط البرية نحو سوريا وسط اضطراب الإقليم

انقلاب أوزان "البحار الخمسة"

ولفت إلى أن "الأوزان التقليدية قد انقلبت، حيث أصبح البحر الأحمر هو الأهم عالميا كمنفذ آمن للسعودية والخليج، بينما ارتفع وزن البحر المتوسط كبوابة حيوية نحو أوروبا، وفي المقابل، تراجع وزن الخليج العربي كممر عبور ليصبح مصدر إنتاج فقط نتيجة تهديدات مضيق هرمز، فيما تحول بحر العرب إلى ساحة صراع مفتوحة ضد القرصنة، أما بحر قزوين، فقد بقي مهما لروسيا وإيران لكنه معزول عن منظومة ربط الخليج بأوروبا".

المنافسة الدولية

وأوضح عريش أن المشهد يشهد بروز الجزائر كمورد استراتيجي آمن وموثوق لأوروبا، مستفيدة من قربها الجغرافي لتقديم بديل فوري للغاز الروسي. وفي سياق موازٍ، قال عريش إن الهند تلعب دور "المحرك الخفي" عبر ممر (IMEC) لربط مومباي بحيفا، بينما تقدم إسرائيل البنية التحتية التكنولوجية والأمنية لتصبح بوابة أوروبا الشرقية للنفط.

"حيفا مقابل موانئ الشام"

وأضاف عريش أن "ميناء حيفا يتفوق حاليا على موانئ طرابلس واللاذقية وطرطوس بفضل عمق مياهه (14 مترا) الذي يسمح باستقبال ناقلات النفط العملاقة (VLCCs). وأكد أنه رغم كلفة الإنشاء العالية".

من ناحيته، قال الخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي، إن جميع البدائل المتعلقة بتوسيع أنابيب النفط التي تتفادى المرور عبر "مضيق هرمز" باتت مطروحة وبقوة على الطاولة.
دعما للاقتصاد... وزارة النفط العراقية تعلن بدء تصدير النفط عبر سوريا
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن إنشاء مسارات تتجه نحو البحر الأحمر ومنه إلى البحر المتوسط، أو مد خطوط أنابيب من السعودية والكويت وقطر لتصل إلى ميناء "الدقم" العماني ومنه إلى الأسواق الصينية والأفريقية، هي خيارات متاحة لمواجهة التحديات الراهنة.

تكلفة مرتفعة

وأوضح الطوقي أن هذه المشاريع، رغم تكلفتها المرتفعة وحاجتها لاستثمارات ضخمة مقارنة بالنقل البحري في الظروف العادية، تصبح ضرورة لا غنى عنها في حال تعرض "مضيق هرمز" أو "باب المندب" لأي اضطرابات أمنية، لضمان استمرارية وصول إمدادات الطاقة من دول الخليج والعراق إلى العالم.
وأشار الخبير العماني إلى أن الموانئ العمانية، وتحديدا "الدقم وصلالة وصحار"، تمثل البدائل الأنجع والأقل تكلفة بكثير مقارنة بالمشاريع الأوروبية الكبرى المقترحة، موضحا أن تطبيق هذه الأفكار يتطلب توافقا سياسيا (خليجيا - تركيا - أوروبيا)، مع الإشارة إلى وجود تعقيدات مرتبطة بدخول إسرائيل في بعض مسارات الربط نحو المتوسط.
وتابع الطوقي أن الجدوى الاقتصادية لهذه الخطوط البديلة قد تتراجع في حال استقرت الأوضاع الأمنية في "مضيق هرمز" وقدمت ضمانات دولية بعدم وجود أي تحكم أو تدخل من جانب إيران، أو في حال عودة تدفق النفط والغاز الروسي إلى أوروبا بأسعار تنافسية.
فيما قال الخبير الاقتصادي الجزائري هواري تغرسي إن أسواق الطاقة العالمية تشهد تحولات عميقة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
إعلام: اليابان تخطط لإرسال وفد إلى روسيا لمناقشة شراء النفط الروسي

مسارات بديلة

وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك" أن "التوجه نحو دراسة مسارات بديلة لنقل النفط تتجاوز "مضيق هرمز"، مثل المشروع المقترح للربط بين شبه الجزيرة العربية والبحر المتوسط عبر ميناء حيفا، يمثل تحولا استراتيجيا يهدف إلى ضمان استقرار الإمدادات بعيدا عن المخاطر البحرية".
وأضاف تغرسي أن المشروع يعد ممكنا من الناحية التقنية، بالنظر إلى تجارب سابقة في تطوير خطوط أنابيب ضخمة، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في الجغرافيا السياسية وتعقيدات التنسيق بين دول العبور، إضافة إلى الحساسية السياسية المرتبطة بنقطة الوصول النهائية المتصلة بإسرائيل.
وأكد الخبير الاقتصادي أن تأمين الطاقة أصبح يتصدر الأولويات في الوقت الراهن، خاصة أن تكلفة المشروع التي قد تصل إلى ثلاثين مليار دولار تبررها الحاجة إلى تقليل الاعتماد على ممر وحيد، وتجنب الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين البحري أثناء الأزمات.
وتابع أن هذا المشروع يتكامل مع رؤية الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، مما يحول المنطقة إلى شبكة لوجستية مرنة ومتعددة المسارات تشمل الربط عبر الأردن والتوسع في خطوط البحر الأحمر، وهو ما يعزز موقع المنطقة كمحور طاقة عالمي.
وأشار هواري تغرسي إلى أن تنفيذ هذا المسار قد يستغرق مدة تصل إلى خمسة عشر عاما بين دراسة وتفاوض وتنفيذ، مشددا على أن القرار بشأنه يتجاوز الجدوى الاقتصادية البحتة ليكون قرارا سياديا استراتيجيا يهدف إلى إعادة رسم خارطة الطاقة العالمية في مواجهة الأزمات المتكررة.
السفير الإيراني لدى القاهرة لـ"سبوتنيك": مضيق هرمز مفتوح أمام الدول غير المحاربة لبلادنا
في الإطار، قال الخبير الاقتصادي المصري هاني أبو الفتوح، إن دراسة مد خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز نحو البحر المتوسط تعكس تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي لدول الخليج.
وأكد في حديثه مع "سبوتنيك"، أن الاعتماد الكامل على الممرات البحرية لم يعد خيارا آمنا في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، مما يجعل تنويع مسارات الطاقة ضرورة لحماية استقرار الإمدادات.
وأضاف أبو الفتوح، في حديثه مع "سبوتنيك"، أن إيجاد طرق برية لنفط الخليج هو محاولة لكسر سيطرة المضايق البحرية، موضحا أن تنفيذ مثل هذه المشاريع ممكن من الناحية الفنية، لكن التحدي الحقيقي يظل سياسيا وأمنيا بالدرجة الأولى، إذ قد يمتد المسار عبر مناطق حساسة أو يتطلب ترتيبات إقليمية معقدة، بما في ذلك المرور عبر ميناء حيفا.

خيار أقل كلفة

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن خطوط الأنابيب قد لا تكون الخيار الأقل تكلفة بالمقارنة مع النقل البحري في الظروف الطبيعية، غير أن هذا الخيار يوفر ميزة الأمان والاستقرار، ويقلل من التعرض لصدمات الممرات المائية، خاصة في نقاط اختناق مثل مضيقي "هرمز" و"باب المندب".

ويرى أبو الفتوح أن هذا التوجه يعد جزءا من محاولة أكبر لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد عالميا، مستشهدا بمشروع الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية.
مناقشة