حلم صغير يصل بأول إنسان إلى الفضاء... هذه قصة يوري غاغارين
قرب قرية تدعى كلوشينو بالقرب من غزاتسك (سمولينسك حاليا) وهي قرية صغيرة تقع على بعد 100 ميل غرب العاصمة موسكو، شاهد طفل مراهق، طائرة مقاتلة روسية تهبط بشكل اضطراري خرج منها طيارون بزي مزين بالأوسمة، مشهد طُبع بذاكرة الطفل، ودفعه للوصول بإصراره إلى أقصى طاقات البشرية، ليحقق إنجازا تاريخيا يسجل باسمه إلى الأبد.
Sputnikولد يوري ألكسييفيتش غاغارين داخل منزل في كلوشينو بالقرب من غزاتسك (سمولينسك حاليا) في 9 مارس/آذار 1934، وكان ترتيبه الثالث بين أشقائه، كان والده نجارا وبنّاءا ومزارعًا، وكانت والدته تعمل في صناعة الألبان. عملوا معًا في مزرعة جماعية.
خلال الحرب العالمية الثانية وبينما كان غاغارين ابن 7 سنوات، طرد النازيون عائلته من منزلهم وأخذوا اثنين من أشقائه. ساعد يوري والديه في حفر مخبأ حيث عاشا حتى انتهاء الحرب، ثم انتقلت العائلة إلى جياتسك.
حادثة في الطفولة تغير تاريخ الأرض
شاهد غاغارين عندما كان في سن المراهقة، طائرة مقاتلة روسية من
طراز "ياك" وهي تهبط بشكل اضطراري في حقل بالقرب من منزله.
الطائرة كانت عائدة لتوها من معركة وقد مزقت أجنحتها بسبب بالرصاص، وعندما خرج منها الطيارون وكانت بذاتهم مغطاة بالميداليات والأوسمة العسكرية، ما أثار إعجاب يوري الشديد.
كتب يوري عن تلك اللحظة وفقا للأرشيف الروسي: "لقد فهمنا على الفور الثمن الذي كان يجب دفعه مقابل الأوسمة العسكرية. أردنا جميعًا نحن الأولاد أن نكون طيارين شجعانًا وسيمين. لقد مررنا بمشاعر غريبة مثل التي لم نعرفها من قبل".
دراسة وعلم معزز بتجربة العمل والقراءة
درس غاغارين ستة صفوف من المدرسة الثانوية عزز فيها معرفته بالرياضيات والفيزياء، ثم ذهب إلى مدرسة تجارية، وكان وقتها قد قرأ كتاب لونجفيلو هياواثا وأعمال فيكتور هوغو وتشارلز ديكنز، بالإضافة إلى أعمال رائد الصواريخ الروسي كونستانتين تسيولكوفسكي (1857-1935).
بعد عام ونصف في مدرسة التجارة، التحق بمدرسة فنية مدتها أربع سنوات في ساراتوف، وعمل في سبك المعادن.
خطوة أولى نحو الحلم.. طيار ماهر بإشادة الجميع
عرض على غاغارين خلال سنته الرابعة في المدرسة الفنية، فرصة للانضمام إلى نادٍ للطيران. وهكذا بدأ تحقيق حلمه في أن يصبح طيارًا، وقام بأول رحلة له بمفرده في عام 1955.
أشاد الخبراء بقدرة غاغارين على التعامل مع طائرة ومهاراته في القيام بهبوط سلس. قال مدربه ومعلمه دميتري بافلوفيتش مارتيانوف: "سيصبح طيارا رائعا"، وبناء على نصيحة مارتيانوف، انضم غاغارين إلى القوات الجوية السوفيتية وذهب إلى مدرسة أورينبورغ للطيران حيث تعلم قيادة طائرات "ميغ" الروسية.
"فاليا" تطرق قلب غاغارين... وتخرج بمرتبة الشرف
التقى يوري في إحدى الفعاليات الراقصة التي أقيمت في المدرسة، الجميلة والخجولة فالنتينا إيفانوفنا جورياتشيفا (فاليا)، وكانت طالبة تمريض، الأصغر بين ستة أطفال، وحدث تقارب بينهما، واستمتعا معًا بالقراءة والتردد على المسرح ومناقشة ما رأوه وقرأوه. شاركا أخبار رحلة "سبوتنيك" التاريخية للفضاء وإعلان نيكيتا خروتشوف عن إرسال رجل إلى الفضاء بمجرد أن تكون الظروف مناسبة.
ومنذ اللحظة التي عرف فيها عن القمر الصناعي "سبوتنيك"، أدرك يوري في قرارة نفسه أنه سينضم إلى برنامج الفضاء، وبدأ في رسم أفكاره عن سفن الفضاء. ودرس نظريات تسيولكوفسكي عن رحلات الفضاء.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1957، في سن 23، تخرج يوري مع مرتبة الشرف العليا من أورينبورغ وأصبح ملازمًا في القوات الجوية السوفيتية، وفي هذا اليوم أيضًا في زيه العسكري الجديد، تزوج من فاليا الجميلة.
طيار مقاتل في القطب الشمالي... "لونا" خلف القمر
أطلق السوفييت "لونا 3"، الذي صور الجانب البعيد من القمر لأول مرة، كان ذلك عام 1959، كان حينها غاغارين يشغل أول وظيفة له كطيار مقاتل في قاعدة للقوات الجوية السوفيتية في القطب الشمالي.
وقدم يوري غاغارين طلبا ليكون رائد فضاء، بين أول مجموعة من طياري سلاح الجو السوفييت، لكي يتم اختيار أول رائد فضاء على الإطلاق من بينهم.
وكانت هذه المجموعة تتألف من 20 طيارا، وضمت شبانا سجلوا أسماءهم فيما بعد في تاريخ الفضاء، من بينهم جيرمان تيتوف، الذي لا يزال يحتفظ بلقب أصغر من شارك في رحلة فضائية على الإطلاق، إذ قام برحلته الأولى في السادسة والعشرين من عمره، وكذلك أليكسي ليونوف، أول شخص يسبح في الفضاء، بعدما ترك كبسولته الآمنة، في إحدى رحلاته للقيام بإحدى المهام خارجها.
سر ابتسامة غاغارين... معايير اختيار "النسر الصغير"
وضع المسؤولون السوفييت لمن ستُسند له هذه مهمة أول رائد فضاء في تاريخ البشرية، معايير عدة لم تقتصر على امتلاك رائد الفضاء المستقبلي المهارات الفنية، التي تضمن له القيام بعمل لم يسبقه إليه أحد والعودة سالما إلى الأرض، بل تضمنت كذلك ضرورة أن يتحلى من سيُختار لذلك بشخصية هادئة وواثقة كذلك، حيث لعبت ابتسامة يوري الواثقة التي قيل إنها كانت قادرة على أن تذيب أكثر القلوب قسوة، دورا كبيرا في اختياره.
وعندما التقى سيرغي كوروليف، كبير المسؤولين عن تصميم الصواريخ والفضاء في الاتحاد السوفيتي، للمرة الأولى مع الطيارين العشرين الذين دُرِّبوا على السفر في الفضاء، قضى الجانب الأكبر من وقته معهم، في الحديث إلى يوري ذي الشخصية الجذابة، والذي لقبه كوروليف نفسه بعد ذلك بـ "نسري الصغير".
تجارب قاسية حسية ورياضية واجهها بروح الدعابة
وخضع
يوري غاغارين لتدريب صارم، بدني وعقلي ونفسي. وتحمل فترات طويلة في غرفة الحرمان الحسي، وتجارب مع انعدام الوزن، والتحمل في غرف الحرارة، واختبار الرحلات الجوية تحت الضغط مع كل رد فعل تمت مراقبته.
كان أحد الاختبارات هو حل المعادلات الرياضية الصعبة بينما أطلق مكبر الصوت الإجابات، كان هادئًا وحازمًا وكان يتمتع دائمًا بروح الدعابة وكان دائمًا يحتل الصدارة. وصفه زملاؤه رواد الفضاء بأنه "رفيق صالح، لا يفقد القلب أبدًا، رجل مبادئ، جريء وثابت، متواضع وبسيط، حاسم، وقائد".
الاختيار... الانتقال إلى مدينة النجوم
اختير يوري للمهمة التاريخية، وانتقل هو وفاليا وابنتهما الجميلة إلى مدينة النجوم التي بنيت فقط لرواد الفضاء خارج موسكو.
كان يوري رجلا يحب المرح، وجمع بين تدريبه الشاق وفترات من الاسترخاء. أحب الهواء الطلق وكان يستمتع بالسباحة وصيد الأسماك والتخييم والصيد ورفقة الأصدقاء المقربين، وبالطبع كان يحب السيارات.
1 / 4
رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين بعد عملية هبوطه وعودته إلى الأرض.
2 / 4
يوري غاغارين أول رجل فضاء في العالم
3 / 4
العلماء يراقبون حالة رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين قبيل انطلاق مركبته إلى الفضاء، 12 أبريل/ نيسان 1961.
4 / 4
موظفو مصنع "القطارات التشيكية" خلال استماعهم لخبر انطلاق مركبة يوري غاغارين إلى الفضاء.
عندما وردت أنباء مفادها بأن يوري هو
رائد الفضاء الذي اختير للقيام برحلة خطيرة إلى الفضاء الخارجي، تحدث هو وفاليا طوال الليل. بشفتين مرتعشتين سألته: "لماذا أنت؟" بحلول الصباح كانت تقول: "إذا كنت متأكدًا من نفسك اذهب. كل شيء سيكون على ما يرام".
كذلك، فإن طوله الذي لم يتجاوز 155 سنتيمترا مثاليا، لكي يتمكن من أن يجد لنفسه مكانا في الجزء الداخلي الضيق من المركبة، التي انطلقت من مركز "بايكونور" الفضائي، الذي يقع الآن في كازاخستان.
ولادة طفلته قبل رحتله إلى الفضاء
ولدت ابنته الثانية جالوتشكا، "أنفاس الربيع"، في أوائل عام 1961. وفي اليوم الأخير في المنزل قبل رحلته التاريخية، بينما كانت فاليا تتسوق لأشياء اللحظة الأخيرة، تحدث عن تغيير حفاضات جالوتشكا وقال لها مازحا "ماذا؟ طفلة طائشة! والدها على وشك الصعود في الفضاء، وهي تلوث حفاضها!".
كان كبير المصممين كوروليف، رئيس برنامج الفضاء السوفيتي والرجل الذي اختار أول رائد فضاء، مغرمًا بشكل خاص بـ "يوري"، إذ يقول: "خلال أيام التحضير للإطلاق، عندما كان لدى الجميع أكثر من نصيبه من المخاوف والتخوفات والقلق، بدا أنه وحده هادئًا. أكثر من ذلك: كان مليئًا بالروح الطيبة وتنبعث منه مثل الشمس".
الانطلاق... لحظة هزت قلوب سكان الأرض
انطلقت المركبة الفضائية "فوستوك – 1"، في 12 أبريل/نيسان، بنجاح في موعدها إلى مدارها حول الأرض تحمل الشاب يوري ابن الـ27 عامًا، حيث دارت بسرعة 27400 كم/ ساعة، واستغرقت 108 دقائق. كانت إحدى مقولاته عندما صعد إلى خارج الغلاف الجوي: "إنني أرى الأرض من هنا، إنها رائعة".
بعد عودته إلى الأرض، طافت مسيرة يوري المظفرة عبر الميدان الأحمر أمام حشد من مئات الآلاف ما جعله أكثر توترا وخوفًا من
رحلته التاريخية. عندما وصل إلى المنصة، همست فاليا المنتظرة بدموع في أذنه "لقد تحقق حلمنا يا يوري". فأجابها باحتضانها قائلا: "أنت فتاة ذكية! شكرا لك".
وبدأ يوري غاغارين في جولة حول العالم مع فاليا كسفير للنوايا الحسنة. وفي كل مكان سافرا إليه، تم منح يوري أعلى درجات الشرف.
أصبح نائبًا لمجلس السوفييت الأعلى، واستمر دائما في تقديم المساعدة والمشورة لرواد الفضاء، وتم تعيينه قائدًا لفصيلة رواد الفضاء.
يوري غاغارين في مصر... لقاء "رجل الفضاء" ببناة الأهرامات
بعد عودته إلى الأرض، قام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بإرسال دعوة لغاغارين لزيارة مصر، حيث استقبله في منزله بمنشية البكري، وأهداه قلادة النيل التي ارتداها رائد الفضاء السوفيتي في اليوم التالي.
وخلال زيارته إلى مصر، أجرت الإعلامية تماضر توفيق مقابلة متلفزة مع يوري الذي ظهر بزيه العسكري المرصع بالأوسمة وبابتسامته المعهودة، تحدث خلالها عن مسيرته المهنية ورحلته التاريخية إلى الفضاء.
حلم جديد يخطفه حادث مؤلم خلال التدريب
حلم يوري بالعودة إلى الفضاء كما قال: "كوني رائد فضاء هي مهنتي، ولم أخترها لمجرد القيام بالرحلة الأولى ثم التخلي عنها". في عام 1967 بدأ التدريب على أول رحلة "سويوز"، ومع ذلك لم يصل إلى النجوم مرة أخرى، فقد تحطمت طائرة كان يختبرها غاغارين في 27 مارس/آذار 1968، وتوفي عن عمر يناهز 34 عامًا، حيث حزن العالم على رحيل رجل غيّر مصير البشرية وفتح باب الفضاء للإنسان.
دفن جثمان يوري غاغارين جنبًا إلى جنب مع أبطال سوفييت آخرين بالقرب من جدار الكرملين وسط موسكو، وتكريما لمساهماته العظيمة في استكشاف الفضاء، سمي بركان تم استكشافه على سطح القمر باسمه.