ومع تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب وتطور أساليبه، بالتوازي مع توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتحسين بيئة االستثمار، تتزايد أهمية الدور الذي تضطلع به الجمارك في تحقيق التوازن بين تسهيل التجارة وضمان الأمن الاقتصادي.
وفي هذا الحوار، نسلط الضوء على واقع العمل الجمركي في ليبيا، ودور المنطقة الحرة "جليانة" في دعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع، وجهود تطويره على المستويين الفني والتشريعي، كما نتناول آفاق التعاون الدولي، ومساعي تحديث الأنظمة، والتسهيلات المقدمة للمستوردين، وذلك في حوار خاص لـ"سبوتنيك" مع اللواء عادل العوامي، مدير عام مصلحة الجمارك الليبية.
كيف تقّيمون العمل في المنطقة الحرة "جليانة" في ظل التطوير في البنية التحتية؟
العمل في المنطقة الحرة يسير بشكل طبيعي من حيث حجم الواردات والصادرات، وعملية تطوير البنية التحتية لهذه المنطقة الحرة، والتي تتم من ِقَبل "الجهاز الوطني للتنمية"، وبإشراف مباشر من القيادة العامة، بهدف تشجيع تجارة العبور، وعمليات التصنيع المختلفة، والعمليات التحويلية التي من شأنها تغيير حالة البضائع، وفقا لمقتضيات التبادل التجاري ومتطلبات السوق، وكذلك نقل وتوطين المعرفة والتقنية وتطويرها في بيئة حرة من القيود، ودعم الاقتصاد الوطني في البلد، إضافة إلى تحقيق العائد الاستثماري للمنشآت الواقعة ضمن هذه المنطقة.
مدير عام مصلحة الجمارك الليبية، اللواء عادل العوامي
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
ما هي أبرز التحديات التي تواجه عمل الجمارك في مكافحة التهريب وضبط حركة البضائع عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية؟
من أبرز التحديات هي نقص التقنيات الحديثة، وتهالك البنية التحتية، وضعف التنسيق الأمني، إلى جانب تطور أساليب التهريب، والإخفاء، واستغلال المعدات وطول الحدود البرية، مما يؤثر على أمن البلاد والاقتصاد الوطني، فعلى الصعيد البري اتساع الحدود وسهولة عبور المهربين عبر المسالك الوعرة وغير الشرعية، وعلى الصعيد البحري تكمن الصعوبة في فحص الحاويات الكبيرة ووضع المخدرات في جوف الحاويات أو عبر السفن والقوارب الصغيرة في عرض البحر، بينما على الصعيد الجوي تتمثل الصعوبات في تهريب العملة والمعادن الثمينة والمواد الصغيرة والممنوعة والمحظورة عبر الركاب والمسافرين.
كيف يتم احتساب الرسوم الجمركية والضرائب على السلع المستوردة؟ وهل هناك توجهات لإعادة النظر في بعض السياسات الجمركية؟
للنظام المنسق عملية احتساب الضرائب، وتتم الرسوم الجمركية عبر تصنيف السلع والبضائع وفقا الوارد بالتعريفة الجمركية، وذلك بتسمية هذه السلع والبضائع حسب المسميات المدرجة بجداول هذه التعريفة، ووضع كل صنف حسب البند المحدد له، بعد ذلك يتم تطبيق القوانين والقرارات واللوائح المنظمة لطبيعة العمل الجمركي من حيث تحصيل قيمة الضرائب والرسوم الجمركية أو إعفائها.
كما توجد هناك بعض التوجهات في السياسات الجمركية المعاد النظر فيها، لعل أهمها إلغاء سعر الدولار الجمركي المحدد بواقع 2.12 دينار واستبداله بسعر الدوالر الرسمي المحدد من مصرف ليبيا المركزي، ويوجد قرار صادر في هذا الشأن ولم يتم العمل به حاليا، كذلك هناك دراسة متعلقة بمراقبة عمليات تحويل الأموال للخارج لشراء السلع والبضائع، وذلك عن طريق العمليات المصرفية، والتي تهدف إلى التأكد من عدم تحويل الأموال إلى جهات مشبوهة أو إرهابية، ومكافحة الفساد المالي وتبييض الأموال.
ما دور مصلحة الجمارك في دعم الاقتصاد الوطني خاصة فيما يتعلق بحماية المنتج المحلي وتنظيم السوق؟
تلعب مصلحة الجمارك في دعم الاقتصاد الوطني باعتبارها أحد مصادر دورا رئيسيا ومباشرا تمويل خزانة الدولة، والمحافظة على أمن وسلامة المجتمع، فهي تتولى تنفيذ ومتابعة السياسات والقرارات الخاصة بعملية استيراد وتصدير البضائع، والرقابة الجمركية والأمنية في كافة المنافذ، ومكافحة التهريب، ومنع دخول البضائع الممنوعة، وعموما فإن مصلحة الجمارك هي صمام الأمان الأول للاقتصاد الوطني وإعلاء المصلحة العليا للوطن وحماية مقدراته.
إلى أي مدى تعتمدون على الأنظمة الرقمية والتقنيات الحديثة في تسهيل الإجراءات الجمركية وتسريع الإفراج عن البضائع؟
تسعى مصلحة الجمارك دائما إلى تطوير وتحديث كافة أعمال العمل الجمركي وتسهيل العمليات الجمركية للتجار، وتعزيز التعاون والتنسيق مع مختلف الجهات الحكومية. وذلك بالتوجه إلى عملية التحول الرقمي بما يتلاءم مع متطلبات العصر الحديث، مثل نظام "أسيكودا"، والمشغل الاقتصادي، وبرنامج التسجيل المسبق للشحنات الإلكتروني.
وفي هذا السياق، قامت الهيئة العامة للمعلومات بالتنسيق مع مصلحة الجمارك لصياغة ودراسة استراتيجية للتحول الرقمي بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية ولم يتم العمل بها حاليا إلا بعد تحديد الرؤيا والهداف ومحاور العمل وعرض التجارب الدولية الناضجة، وتنظيم ورش عمل وطنية لمناقشة آلية العمل ومعالجة الملفات العالقة وتسوية المنازعات والمتطلبات وتطوير القوانين حتى تتناسب مع احتياجات السوق، كل ذلك من أجل خلق بيئة استثمارية جذابة وتقليل تكاليف الاستيراد وتعزيز القدرة التنافسية للتجار.
ما طبيعة التعاون القائم بين مصلحة الجمارك الليبية والمنظمات والهيئات الدولية وكيف ينعكس هذا التعاون على تطوير الأداء؟
يتمثل تعاون مصلحة الجمارك مع المنظمات الدولية، خاصة منظمة الجمارك العالمية (WCO)، في تبنّي المعايير الدولية مثل التدريب وميكنة الإجراءات، مما ينعكس على تطوير الأداء من خلال تحديث النظم الجمركية، وتعزيز أمن الحدود، ومكافحة التهريب، ورفع كفاءة العناصر البشرية، كما يساعد في تسهيل التجارة المشروعة وزيادة الشفافية.
ولعل أبرز أوجه التعاون هو التزام ليبيا بتطبيق أفضل الممارسات، ودمج الميكنة الرقمية، واستخدام النظام المنسق (HS) لتصنيف السلع والبضائع حسب الجداول المدرجة بالتعريفة الجمركية، كذلك تلقي برامج تدريبية متقدمة لتعزيز القدرات في إدارة المخاطر والرقابة على الحدود ومكافحة التهريب.
ما هي التسهيلات التي تقدمونها للمستوردين والتجار وما الإجراءات المتخذة لتقليل البيروقراطية وتحسين بيئة الأعمال؟
يتم ذلك من خالل تشجيع الاستثمار وتسريع الإجراءات الجمركية واعتماد أنظمة إلكترونية مثل الرمز الإحصائي والمشغل الاقتصادي لتقليص المتطلبات، كذلك تمنح بعض الجهات الخاصة المتعاقدة مع جهات حكومية تابعة للقطاع العام إعفاءات جمركية ومنحها المزايا الممنوحة لهذه الجهات العامة.
كما يتم دعم القطاعات الحيوية مثل قطاع الزراعة والمنتجات الخضراء، بما في ذلك إعفاءات وتبسيط الإجراءات. في إطار تحسين بيئة الأداء فذلك يكون بإدارة الوقت وتسريع معالجة الملفات العالقة وتسوية النزاعات والمتطلبات، وتطوير القوانين حتى تتناسب مع احتياجات السوق. كل ذلك من أجل خلق بيئة استثمارية جاذبة، وتقليل تكاليف الاستيراد، وتعزيز القدرة التنافسية للتجار.
مدير عام مصلحة الجمارك الليبية، اللواء عادل العوامي
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
ما أبرز الصعوبات التي يواجهها موظفو الجمارك على أرض الواقع، سواء من حيث الإمكانيات أو التشريعات أو الظروف الأمنية؟
يوجد العديد من الصعوبات في هذا السياق، أبرزها، نقص أجهزة الفحص المتقدمة (X-Ray) والتقنيات الذكية اللازمة للكشف عن التهريبات الدقيقة، وبعض الظروف الأمنية الخطرة في المناطق الحدودية والتهديدات المباشرة من شبكات التهريب، ونقص الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة للتعامل مع أساليب التهريب الحديثة، وتقادم أجهزة الفحص والمعدات مما يؤدي إلى بطء المعاملات وتعقّد إجراءات الرقابة في التحليل والمطابقة، مما يسفر عن تكدس البضائع والشحنات داخل الحضائر الجمركية، بالإضافة إلى مواجهة مخاطر جسيمة مثل التهديد المباشر والرشاوى والحرابة في بعض المناطق.
ما دور الإدارة العامة الحالية التابعة للحكومة الليبية، وما أصعب التحديات التي واجهتها؟
يتمثّل دورها في إلغاء النظام المركزي والتخفيف من الإجراءات البيروقراطية، واعتماد السياسات الجديدة لتحسين الأداء والتوجه الاستراتيجي، والعمل على تطوير أساليب تقديم الخدمات العامة التي تفي بالغرض وتخلق بيئة عمل تتمتع بالمهنية دون الخضوع إلى تأثير سياسي، كذلك تقديم خدمات عالية الجودة للمواطنين والمشاريع التجارية، وقد واجهت هذه الإدارة عدة صعوبات في تنفيذ مهامها، أهمها: عدم وجود الدعم المالي، وعدم وجود مقرات لكامل الإدارات والمراكز والوحدات التابعة لها، وتعرّض العديد من المقار الإدارية للتلف والدمار بسبب الأحداث التي شهدتها البلاد، لكن بفضل توجيهات وجهود القيادة العامة ولجنة الإعمار التابعة لها، تم توفير عدة مقار حديثة ومجهزة بكافة المتطلبات المناسبة للعمل.
ما هي المناطق الحدودية الجمركية التي تقع تحت سيادة الإدارة العامة التابعة للحكومة الليبية؟
تشمل المنافذ الجمركية البرية مع مصر وتشاد، الموانئ البحرية منها ميناء بنغازي، وميناء درنة، وميناء طبرق، وميناء البريقة النفطي، وميناء رأس النوف النفطي، والمطارات مطار بنينا الدولي، ومطار سرت، ومطار البرق.
أجرى الحوار: ماهر الشاعري