اعتمد مجلس الوزراء السوداني قرارًا يقضي بوقف استيراد مجموعة من السلع المصنفة كمواد كمالية، في خطوة تهدف إلى تقليل الضغط على النقد الأجنبي ودعم استقرار سعر الصرف.
وقال المجلس إن الإجراء يستهدف الحد من تراجع الجنيه السوداني، حيث تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي 4100 جنيه، علاوة على تقليص الواردات غير الضرورية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، بحسب (مواقع سودانية).
وتضم قائمة الحظر أكثر من 40 سلعة، تشمل منتجات غذائية مثل الشوكولاتة والبسكويت والعصائر الجاهزة والمربى، إضافة إلى منتجات ألبان باستثناء لبن البودرة ولبن الأطفال، إلى جانب الفول المصري والأرز والكاتشب.
كما شمل القرار مستحضرات التجميل والعطور وصابون الغسيل والحمام، إضافة إلى سلع صناعية مثل الأسمنت والمنتجات البلاستيكية وبعض السلع الاستهلاكية، فضلًا عن الألعاب والزهور الصناعية والشعر المستعار.
واستثنى القرار عددًا من السلع الضرورية أو أخضعها لسياسات خاصة، من بينها تطبيق نظام الحصص على السيراميك، ومراجعة وضع بعض السلع مثل الأثاث.
ووجّه المجلس وزارات التجارة والمالية والإدارة العامة للجمارك بتنفيذ القرار واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة.
ما هي أسباب القرار وتداعياته على الاقتصاد وعلى الشارع السوداني؟
طبيعة القرار
بداية، يقول الدكتور محمد الناير، الخبير الاقتصادي والأستاذ المشارك في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا: "إن القرار بحظر بعض السلع يُعد قرارًا مرحليًا وليس دائمًا، وقد جاء في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، مع وجود ضغط كبير على النقد الأجنبي، ما يدفع الدولة إلى التركيز على استيراد السلع الأساسية والضرورية مثل المحروقات والقمح والسكر".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن الدولة أصدرت قائمة بالسلع الممنوع استيرادها، واعتبرتها سلعًا كمالية، مشيرًا إلى وجود تباين بين رؤية الدولة لهذه السلع ورؤية المستوردين أو المستهلكين، حيث قد يرى البعض أن بعض هذه السلع ضرورية وليست كمالية.
وأوضح الناير أن هذا القرار ليس دائمًا، وإنما سيتم إلغاؤه عند تحسن المؤشرات الاقتصادية بشكل واضح، مؤكدًا أن الدول التي تتجه إلى مثل هذه السياسات يكون أمامها خياران: إما حظر استيراد السلع، وهو ما لجأت إليه الحكومة السودانية، أو فرض رسوم جمركية مرتفعة جدًا للحد من دخولها إلى البلاد، وذلك في إطار حماية الصناعة الوطنية.
وأشار إلى أنه رغم أن مبادئ التجارة العالمية تدعو إلى حرية حركة السلع والخدمات دون قيود، فإن الواقع يشير إلى أن منظمة التجارة العالمية لم تتمكن من أداء دورها بالشكل المطلوب، خاصة في ظل الحروب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وأوروبا، والتي تجاوزت أطر هذه المنظمة وأضعفت قدرتها على ضبط السوق العالمية.
آثار سلبية
أكد الناير أن القرار سيتم التراجع عنه بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية، موضحًا أن هذه السياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، خاصة أن بعض هذه السلع يتم إنتاجها داخل البلاد.
ولفت إلى أنه من الآثار السلبية المحتملة للقرار زيادة معدلات تهريب السلع، ما يتطلب رفع كفاءة الأجهزة المختصة، وعلى رأسها هيئة الجمارك، لمكافحة التهريب ومنع دخول السلع عبر القنوات غير الرسمية.
واختتم الناير: "القرار يمكن أن يسهم في تقليل الطلب على النقد الأجنبي، رغم أن السلع المشمولة لا تمثل نسبة كبيرة من واردات البلاد، حيث تتراوح بين 10 بالمئة و15 بالمئة، إلا أنه قد يساعد في الحد من تدهور قيمة العملة الوطنية خلال المرحلة المقبلة".
اضطراب سياسي
من جانبه، يقول وليد علي، المحلل السياسي السوداني: "الحقيقة إن هذه الخطوة لا تزال غير مفهومة في الإطار الاقتصادي، ومن الأفضل التريث في الحكم عليها، ولكن من منظور سياسي فإن لها ردود أفعال ليست محمودة في الوقت الراهن، وقد تؤدي إلى اضطراب سياسي، حيث إن الاقتصاد لا ينفك عن التأثير في الوضع السياسي".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "نحن بلد أصبحت خارج دائرة التصنيع، رغم ادعاء الحكومة بعودة الأنشطة التجارية والصناعية بوتيرة متصاعدة، وهذا يجعلنا غير مستعدين لمواجهة نقص في السلع الغذائية في الأسواق، وبما أن القائمة التي صدرت من رئيس الوزراء بغرض الحظر قد شملت سلعًا غذائية أساسية كالأرز ومشتقات الألبان وغيرها، فأظن أنه في ظل توقف إنتاج هذه السلع الغذائية فإن الرأي العام يحتاج إلى توضيح بأن هذه الإجراءات لن تؤثر على الأوضاع الاقتصادية للسكان الذين يعانون من نقص في مصادر الدخل، قد يصل إلى درجة العجز عن الإيفاء بمقومات الحياة".
وتابع علي: "هذا قد يقود إلى توتر غير ملائم في مثل هذا التوقيت، لكن نظل في انتظار الإعلان عن إجراءات إسعافية لتدارك أثر هذه الخطوة على العامة من الناس".
وقال علي: "هذه الإجراءات لا شك أنها سوف تؤثر على الأوضاع السياسية بصورة غير مباشرة إذا لم تصحبها إجراءات واضحة لتخفيف الآثار المتوقعة من القرار الأخير".
وفي أبريل/نيسان عام 2023، اندلعت اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مناطق متفرقة من السودان، ونتج عنها استهداف منشآت صحية وتعليمية وخدمية فاقمت أزمة السودانيين.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.