نقابيون: عيد العمال في ليبيا بلا معنى في ظل غياب الأمان الوظيفي

في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بعيد العمال العالمي، يواجه العمال الليبيون واقعًا مختلفًا تتداخل فيه التحديات الاقتصادية مع هشاشة الأطر القانونية وضعف الحماية الاجتماعية.
Sputnik
وبدلا من أن يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بإنجازاتهم، يسلّط الضوء على قضايا تؤرقهم، أبرزها حالات الفصل الجماعي والإقصاء من سوق العمل، والتي طالت آلاف العمال في قطاعات مختلفة.
وبين تراجع فرص التشغيل وغياب الاستقرار الوظيفي، تتجدد التساؤلات حول مدى التزام المؤسسات بحماية حقوق العمال، مقابل واجباتهم، ودور الجهات الرسمية في ضمان بيئة عمل عادلة وآمنة تحفظ كرامة العامل الليبي وتدعم استقراره المعيشي.

حقوق ضائعة

قالت نرمين الشريف، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا، إن حال العامل الليبي اليوم "هو صراع يومي من أجل العيش"، في ظل ظروف معيشية صعبة ومتفاقمة.

وأضافت الشريف، في تصريح خاص لـ "سبوتنيك"، أن العامل في ليبيا يقف بين نار الغلاء، ونار تأخر المرتبات، بل وغيابها تمامًا لدى شريحة واسعة، مشيرة إلى انعدام الأمان الوظيفي وغياب الضمانات الحقيقية.

وتابعت: "من يعمل يعيش في خوف مستمر، ومن لا يتقاضى راتبا أصلا يعيش على حافة الانهيار".
وفي تعليقها على مناسبة الأول من مايو/ أيار، بينت الشريف أنه بينما تحتفل العديد من دول العالم بعيد العمال، فإن هذا اليوم في ليبيا "يُستذكر كألم".
وقالت: "نستحضر فيه عمالا رحلوا وهم ينتظرون حقوقهم، فكيف للعامل الليبي أن يحتفل وهو لا يزال يبحث عن أبسط حقوقه؟".
واعتبرت أن الواقع الحالي يوحي بأن المسؤولين هم من يحتفلون، بينما يواصل العمال نضالهم اليومي.
وسلطت الشريف الضوء على أبرز التحديات التي يواجهها العمال، ووصفتها بـ"الواضحة والمؤلمة"؟ وتشمل تأخر أو انقطاع المرتبات، وتطبيق جدول موحد ظالم لم ينصف الفئات الأضعف، وغياب علاوات الخطر وعدم تمييز المهن الشاقة، وانتشار الفصل التعسفي دون ضمانات قانونية، وإجبار بعض العمال على النقل القسري إلى جهات أخرى.
وأضافت أن عمال الشركات المتعثرة والمنسحبة يواجهون أوضاعا أكثر تعقيدا، حيث تركوا لمصيرهم دون عمل أو حقوق، في تجاهل تام لمعاناتهم.
بين الحاجة والتحديات.. ما تأثير العمالة الأجنبية على سوق العمل في ليبيا؟
وأشارت إلى أن الاتحاد بذل جهودا متعددة لمعالجة هذه الأوضاع، من خلال الاعتصامات والتظاهرات واللجوء إلى القضاء، إضافة إلى المطالبة بالحوار، لكن دون أي استجابة حقيقية، مؤكدة أن صوت العمال لم يكن مسموعًا، بل هناك من يتعمد تجاهله.

وفيما يتعلق بمطالب العمال، شددت الشريف على أنها ليست ترفا، بل حقوقا أساسية، محددة أبرزها، تحقيق العدالة في المرتبات، وإلغاء آثار الجدول الموحد، وإقرار علاوات الخطر والتمييز للمهن المستحقة، ووقف الفصل التعسفي ورد الاعتبار للعمال المتضررين، وصرف المرتبات والمستحقات دون تأخير، وإيجاد حلول جذرية لعمال الشركات المتعثرة والمنسحبة، وفتح حوار اجتماعي جاد مع النقابات وعدم تهميشها.

وأكدت أن "الوضع الحالي لم يعد يحتمل المزيد من التسويف"، محذّرة من أن العامل الليبي وصل إلى مرحلة خطيرة، وأضافت: "العامل لم يعد يخاف بقدر ما يخشى ضياع مستقبله وأمانه".
كما نبهت إلى أن استمرار تجاهل هذه القضايا سيزيد من حالة الاحتقان، بما لا يصب في مصلحة أي طرف.
وقالت: "الأول من مايو ليس عيدا للعمال في ليبيا، بل يوم لتذكّر حقوقهم المسلوبة، وعيدنا الحقيقي هو اليوم الذي يستعيد فيه العامل الليبي كامل حقوقه ويعيش بكرامة في بلاده".

معاناة العمال

قال عماد القاجيجي، نقيب العاملين بالشركة الليبية للتبغ، إن العامل في ليبيا، أصبح اليوم منشغلا بتأمين قوت يومه وقوت أسرته، في ظل توقف عدد من الشركات وتعثر أخرى، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الاستقرار المعيشي والوظيفي للعمال.
وأوضح القاجيجي في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن عدم انتظام صرف المرتبات حول الإدارات إلى سيف مسلط على العاملين، مشيرا إلى أن بعض العمال يواجهون الفصل التعسفي أو الإحالة إلى المجالس التأديبية، في ظل تطبيق انتقائي للوائح، إضافة إلى تأثيرات الانقسام السياسي والاقتصادي الذي زاد من تعقيد المشهد.
وأضاف أن المؤسسات العامة والشركات تطبق القوانين والتشريعات، لا سيما القانون رقم 12 لسنة 2010 ولائحته التنفيذية، "لكن بنسب متفاوتة"، خاصة فيما يتعلق بالفصل الرابع الخاص بالإجازات السنوية، حيث تلتزم بعض الجهات بتطبيقه بشكل كامل، بينما لا تلتزم به جهات أخرى، ما خلق تفاوتا واضحًا بين العاملين في الاستفادة من حقوقهم.
كما أشار إلى أن الفصل المتعلق بملاكات الوحدات الإدارية "بحاجة إلى إعادة نظر وتطوير"، لافتًا إلى أن عددا من العاملين يشعرون بالظلم نتيجة المتغيرات على مستوى الدولة.
وأكد القاجيجي أهمية الدور الذي تلعبه النقابات في الدفاع عن حقوق العمال، خاصة في حالات الإقصاء أو الفصل، من خلال التفاوض مع الإدارات وأصحاب العمل، والعمل على إيجاد حلول متوازنة، مشددا على ضرورة وجود ممثل دائم للنقابة داخل المجالس التأديبية لضمان الشفافية والعدالة.
وأوضح أن تراجع الاستقرار وارتفاع معدلات التضخم والركود يؤثران بشكل مباشر على أوضاع العاملين وسوق العمل، ما يؤدي إلى تقلص فرص التوظيف وزيادة الضغوط النفسية على العمال.
رئيسة الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا: أكثر من 100 شركة متعثرة ومتضررة في البلاد
وشدد على ضرورة تحديث القوانين المنظمة للعمل بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتطوير الإدارة عبر تبني نماذج حديثة في بيئة العمل، بما يضمن خلق بيئة آمنة وصحية، إلى جانب تطوير منظومة الضمان الاجتماعي، وإقرار عقود عمل واضحة وعصرية توفر مزايا وظيفية عادلة.
وأكد القاجيجي أن النقابة العامة للشركة الليبية للتبغ لن تحتفل بيوم العمال، في ظل استمرار عدم صرف مرتبات العاملين لمدة وصلت إلى سبعة أشهر متتالية، ما تسبب في حالة من الإحباط الشديد وانعكس سلبا على حياتهم الاجتماعية والمهنية.
وعلى مستوى الاتحادات العمالية، انتقد القاجيجي ما وصفه بسياسة "فرق تسد" التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، موضحًا أن تعدد الاتحادات أضعف من قدرة العمال على تشكيل قوة ضغط موحدة للدفاع عن حقوقهم.
وأكد على تضامنه مع جميع العاملين في ليبيا، معربًا عن أمله في أن يأتي عيد العمال في العام المقبل، والعمال في وضع أفضل، ينعمون بحقوقهم ويعيشون بكرامة واستقرار.
مناقشة