"القدرة الخليلية"... طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن

في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، تفوح رائحة جميلة من بين الأزقة والشوارع القديمة، ويسمع صوت القدر النحاسي وهو يغلي على الحطب وفي داخله أكلة القدرة الفلسطينية، التي أصبحت منذ زمن بعيد جزءًا من تراث المدينة وسفيرة للمطبخ الفلسطيني.
Sputnik
وداخل أقدم فرن في مدينة الخليل، يقوم الشيف محمد أبو سنينة، بتحضير "القدرة الخليلية"، كما كانت تحضر قبل 150 سنة، فقد تعلّم على يد والده وجده، وحافظت العائلة على طريقة التحضير التي استمرت على مدار زمن طويل، كي يبقى الطعم والنكهات القديمة كما هي.
ويقول الشيف محمد أبو سنينة، لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية "سبوتنيك"، إن "القدرة الخليلية" هي عبارة عن أكلة شعبية فلسطينية عمرها أكثر من مئة وخمسين سنة، وأساسها الأصلي هو اللحم، لكن بسبب ارتفاع سعر اللحوم حيث يصل سعر الكيلوغرام منها اليوم ما بين40 إلى 45 دولارًا، أصبح الناس يستخدمون الدجاج بدلاً عنها، وتتكون القدرة من أرز، سمنة، وكركم أو ما نسميه نحن "بالدقة"، وملح فقط لا غير، وليس لها بهارات أخرى، وبهار "القدرة الخليلية" الحقيقي هو السمنة البلدية وبيت النار العربي".
ويشير الشيف محمد إلى أن ما يميز القدرة عن غيرها من أطباق الأرز واللحم العربية، هو طريقة إعدادها الثابتة، حيث تبدأ طريقة التحضير من القدر النحاسي الذي يوزع الحرارة بشكل مناسب ومنتظم، ومن ثم إشعال الحطب في الفرن الحجري القديم، وتحضير مكونات القدرة من اللحم أو الدجاج مع الأرز.
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
ويضيف محمد لـ "سبوتنيك": "تحتاج القدرة على نار الحطب داخل الفرن، ثلاث ساعات إذا كانت قدرة دجاج، وأربع ساعات إذا كانت قدرة لحمة، والقدر النحاسي يوزع الحرارة بشكل متساوٍ، ونحن نعرف منذ زمن طويل أن النحاس له نكهة خاصة عند الطبخ، لكنه يحتاج إلى تبييض دوري، وهذا ما نقوم به، أما الحطب فيمنح هذه الأكلة نكهة خاصة، والقدرة إذا لم تُطبخ على الحطب لا يمكن أن تسمى قدرة".
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
وتعود جذور "القدرة الخليلية" إلى أكثر من قرن ونصف، حيث كانت تعدّ في الأصل من اللحمة، وكانت وجبة أساسية في المناسبات الرسمية والأعياد والولائم العائلية، وكان فرن عائلة الشيف، محمد أبو سنينة، يوجد في البلدة القديمة بجوار المسجد الإبراهيمي، قبل أن يجبرهم الجيش الإسرائيلي على الانتقال من المكان وإغلاق الفرن التراثي القديم.
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
ويقول الشيف محمد لوكالة "سبوتنيك": "بدايتنا كانت في منطقة قرب الحرم الإبراهيمي، تحديدًا في حارة بني دار، لكن الاحتلال أصدر أمرًا عسكريًا بإغلاق محلنا هناك، فتوجّهنا إلى مناطق بعيدة عن محيط المسجد، ولكن هذا لم يجعلنا نترك عملنا في صناعة "القدرة الخليلية" التراثية، ويأتي الناس من المدينة ومن مختلف مناطق الضفة الغربية لتذوق "القدرة الخليلية" التقليدية، وعندما نُسأل من قبل الناس والزوار عن البهار أو الإضافات، نقول بأن الحطب والسمنة البلدية هما والبهارات والنكهات، لذلك نضع السمنة على القدرة في جميع مراحل التحضير، لأن "القدرة الخليلية" بهارها نارها وسمنتها، وهذا هو بهارها الوحيد، وبدون ذلك، لا يضاف أية نكهات أو بهارات".
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
ويوجد في مدينة الخليل قرابة 30 فرنًا لتحضير أكلة القدرة التقليدية، وكل منهم له طريقة تميّزه في تحضيرها، لكنها تتشابه في مكوناتها الأساسية، وباستخدام السمنة البلدية بكثافة خلال عملية التحضير، مما يعطيها طعمًا مميزًا ومختلفًا.
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
ويقول المواطن روبين الزغير لـ "سبوتنيك": "الأكلة الشعبية التراثية المعروفة عندنا في الخليل هي القدرة، وهي أكلة نعدّها في المناسبات الرسمية والأعياد، والإقبال عليها يكون بشكل كبير، وهي الخيار الأفضل للناس في مختلف المناسبات".
القدرة الخليلية طبق فلسطيني تقليدي يروي حكاية لم يغيرها الزمن
ويضيف الشاب راشد الرجوب: "القدرة أكلة فلسطينية مميزة من التراث الفلسطيني، ويأتي الناس لتجربتها من مختلف المناطق، وهي جزء من تراث مدينة الخليل، وتتميز بطعم السمن البلدي الأصيل، ويتم تحضيرها في المناسبات العائلية وغير العائلية، ويمكن أيضًا تناولها كأكلة فردية".
وبالرغم من انتشار المطاعم التي تقدّم القدرة في عواصم عربية وعالمية، إلا أن خبراء الطهي يؤكدون أن الطعم في مدينة الخليل يبقى مميزًا، لأن طريقة التحضير القديمة لم تتغير، وبقيت حبيسةً داخل أفران الحطب والقدور النحاسية، بل وجدران وأسوار المدينة الصامدة، وهذه العوامل تجعل تناول هذا الطبق في موطنه الأصلي تجربةً تبقى في الذاكرة.
مناقشة