وهناك من يعتبر أن محاولة الانقلاب على السلطة في البلاد فشلت سريعًا، وهناك من يعتبرها تمثيلية، وهناك من لم يرد إعطاء تحليل سريع للأحداث، حيث أن الصورة لاتزال ضبابية. وفي محاولة للتعرف أكثر على ما حدث في تركيا الأسبوع الماضي، كان لـ"سبوتنيك"، هذا الحوار مع الكاتب والمحلل الجيوسياسي، عمرو عمار.
سبوتنيك: هل ترى أن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا تمثيلية متقنة من الرئيس التركي أردوغان للتخلص من أعدائه وبناء نظام رئاسي جديد أم ماذا؟
عمار: أردوغان منذ عامين وهو يسير قدمًا في تحجيم نفوذ فتح الله جولن، وبطريقة ممنهجة استطاع أن يزيح معظم الموالين لمدارس جولن من السلطة، فقد عمل أردوغان بخطط زمنية على إزاحة القيادات العليا بالجيش والشرطة التركية، وقام بغلق معظم القنوات الفضائية ومقرات الصحف التي بحوزة جولن واعتقال معظم الصحفيين المواليين له. إذًا لم يكن أردوغان بحاجة لاصطناع انقلاب للتخلص من قائمة أسماء لقيادات في الجيش والقضاء.
أيضًا حينما خسر أردوغان انتخابات 2015، تمكن الداهية والعقل المفكر له "داوود أوغلو" من إفشال تشكيل حكومة وفاق ليتم إعادة الانتخابات وفقًا للدستور. وهنا دخل أردوغان متعمدًا في مواجهات عسكرية مع الأكراد بعد كسر اتفاقية السلام معهم ليصنع فزاعة الإرهاب في نفوس الناخبين، وأخيرًا فاز حزبه في جولة الإعادة للانتخابات البرلمانية، وأصبح الطريق ممهدا تمامًا أمامه لتعديل الدستور ليصبح رئاسيا بعد أن تخلص وهمّش كافة خصومه السياسية. إذًا لم يكن أردوغان بحاجة لصناعة انقلاب يتيح له تعديل الدستور، فالدفاتر والأوراق في قبضته البرلمانية. ثم أي رئيس ساذج هذا الذي يدبر لعملية انقلاب عسكري مصطنع يمكن أن ينقلب ضده ويطيح به في أي لحظة وخاصة مع رئيس مثل أردوغان؟!
سبوتنيك: كيف ترى دعوة أردوغان لاستمرار أنصاره بالميادين؟
عمار: هي دعوة تحمل في تقديري رسالة وهدفا:
رسالة للاتحاد الأوروبي وأمريكا مفادها صعوبة التخلص منه، فهو رئيس يتمتع بشعبية طاغية وميليشياته قادرة على الحسم في أي وقت، وكما علمتمونا تحويل الشعوب إلى مجرد أرقام وكتل بشرية تُعد في الميادين بمثابه قنابل نووية في مواجهة أسلحة الجيوش.
أما الهدف هو الخلاص نهائيًا من القلة المتبقية من خصومه السياسية وفرض صك فك ارتباط تركيا بدولة أتاتورك العلمانية.
سبوتنيك: هل ترى أبا روحيا لهذا الانقلاب؟
عمار: دعنا أولًا نقرأ مشهد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو مشهد يقول إن تفكيك هذا الكيان بات مسألة وقت، يقصر أو يطول وفق قدرات هذا الاتحاد في الحفاظ على وحدة وسلامة تركيا تحديدًا. إذا يجب أن ندرك أن تسارع وتيرة تفكيك الاتحاد مرتبط
ارتباطا وثيقا بتزايد الهجرة غير الشرعية من منطقة الشرق الأوسط، ونزوح اللاجئين من تركيا إلى العمق الأوروبي، أيضًا عملية الترانسفير، التي ستتم بعد إغلاق المشهد السوري لإرهابيي سوريا والعراق من حاملي جوازات سفر أوروبية تقدر وفق تقارير عام 2015 بـ 30 ألف أوروبي انضموا إلى صفوف داعش بعد أن عبروا الحدود إلى تركيا ومنها إلى سوريا عبر غازي عنتابي، هؤلاء سوف يعودون إلى مواطنهم الأصلية لتنفيذ عمليات إرهابية. وحيث أن قرار غلق المشهد السوري قد تم اتخاذه من كافة الأطراف فقد باتت عملية القضاء على كافة هذه الجماعات الإرهابية على الأراضي السورية، وعدم السماح لها بعبور البحر عبر تركيا ومنها للعمق الأوروبي، ضرورة حتمية وأولوية قصوى لإطالة أمد بقاء الاتحاد الأوروبي، وهنا يفرض السؤال نفسه على الجميع، هل يمكن لأردوغان أن ينفذ هذه المهمة وينقذ أوروبا؟
بالتأكيد لم ولن يفعلها، فالرجل أصبح شخصا غير مرغوب فيه وفقد ثقة الأوروبيين تمامًا، فهو ذات الرجل الذي يقوم بابتزاز أوروبا طوال الوقت:
— 2مليار دولار تدفعها أوروبا كجباية لأردوغان لمنع الهجرة غير الشرعية من البوابة التركية.
— طلب أردوغان حصول شعبه على تأشيرة عامة ومفتوحة لكافة دول أوروبا.
— أردوغان يستخدم 2.25 مليون لاجئ سوري على أراضيه كورقة ضغط على الأوروبيين لتحقيق مطالبه.
— جنوح أردوغان ناحية روسيا والذي أربك كل حسابات الأوروبيين.
سبوتنيك: إذًا من يستطيع القيام بهذه المهمة في رأيك؟
عمار: بالتأكيد الجيش التركي وهو عضو في قوات الأطلسي، الأجدر على حماية أوروبا والقضاء على هؤلاء الإرهابيين، فإذا قرر فتح قبضته وغلقها ستُمحى هذه الجماعات من على وجه الأرض.
وبالتالي استبدال أردوغان بالجيش التركي يضمن إطالة أمد بقاء الاتحاد الأوروبي لفترة أطول لحين لملمة أوراقهم وتحديد موازين القوى العالمية الجديدة وهذا يفسر لنا البيان الأولي للاتحاد الأوروبي المساند ضمنيا للانقلاب، ومن هنا يمكننا أن نشير إلى الأب الروحي لهذا الانقلاب.
سبوتنيك: ولكن ماذا عن الأمريكان؟
عمار: أعتقد أن أمريكا ترغب في الإطاحة بأردوغان، ولكن ليس في هذا التوقيت، فهو لا يزال كارت ضغط على مائدة جنيف 3، كما أن الاعتراف بسيناريو الانقلاب العسكري لا يروق للبيت الأبيض حتى لا يفقد مصداقيته أمام العالم.
سبوتنيك: كيف استطاع أردوغان وأد الانقلاب العسكري في لحظاته الأولى؟
عمار: في تقديري أن الرجل الفولاذي والعقل المفكر لأردوغان رئيس الاستخبارات التركية، هاكان فيدان، كان على علم مسبق بالانقلاب ووضع خطته على استدراجهم على الأرض ثم قطع الاتصالات عنهم وفصل خطوطهم الأمامية عن خطوط الأمداد والتموين والتأمين، ومن ثمة فصل قيادات الانقلاب عن رجالاتهم الميدانية ومحاصراتهم والقبض عليهم لتبدأ الخطة (ب)، وهي القضاء على كافة المعارضين بذريعة الانقلاب، والأهم إذلال جيش أتاتورك العلماني، وهذا يفسر لنا الآتي:
— كيف نزل أنصار أردوغان للشوارع بأعداد ضخمة بعد دقائق معدودة من بث رسالته التي حملت دعوته، وكأنما كانوا على آهبة الاستعداد وفي انتظار إشارة البدء.
— لماذا لم يتم اعتقال أو قتل رأس الدولة أردوغان من قبل الانقلابيين.
— لماذا ظهر الانقلابيون بأعداد قليلة في الشوارع لا تكفي حتى لمحاصرة حي صغير وليس مساحة بحجم آسيا الصغرى.
— لماذا سلم الجنود أنفسهم بهذه السهولة ومع أول زعقة من رجالات أردوغان، فالاتصالات مع قياداتهم تم قطعها، وربما لم يكن الجنود على علم بطبيعة المهمة الحقيقية المكلفين بها.
— ثقة أردوغان منذ اللحظة الأولى للانقلاب بأنه لا يزال في السلطة، وأن الانقلاب سينتهي خلال ساعات قليلة، كما ذكر في رسالته عبر سكايب رغم وضوح التوتر على وجهه.
— لماذا قام أردوغان بتسريح 2840قاضيا ، 6000 شرطي، 102 من جنرالات الجيش في أقل من 24ساعة.
سبوتنيك: كيف ترى مستقبل تركيا بعد هذه الأحداث الدامية؟
عمار: من منظور أكثر تأصيلًا بالانقلاب العسكري الفاشل في تركيا سواء كان تمثيلية أردوغانية أم حقيقة، فالحدث يدخل ضمن منظومة إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
تذكر حينما قدم أردوغان اعتذارا مكتوبا لبوتين عن حادث سقوط الطائرة الروسية، بعدها بيومين أعلنت تركيا أنه لا مانع من منح بوتين قاعدة عسكرية في إنجرليك. هذا التصريح تحديدًا كان المسمار الأخير في نعش العلاقة بين أردوغان والاتحاد الأوروبي، بعد عدة مسامير دقها أردوغان بنفسه في السابق بابتزاز أوروبا طيلة عامين مضت. ولذلك فبعد حادث الانقلاب لم يعد أمام أردوغان سوى خياريين لا ثالث لهما:
— إما إعطاء وعود للأوروبيين بالالتزام التام بأجندتهم في مواجهة الإرهاب المحتمل العابر للحدود إلى العمق الأوروبي بعد غلق المشهد السوري، في مقابل غض الطرف عن تجاوزات الديكتاتور فيما يخص ملفات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير.
— أو سيقطع أردوغان أواصل العلاقات مع أوروبا وأمريكا ويتجه بتحالف استراتيجي معلن مع روسيا والصين، وهذا يعني أنه سوف يعلن عن قريب طلب انضمام تركيا لمنظمة شنغهاي، تلك المنظمة التي ستمنح قبلة الموت الإكلينيكي للولايات المتحدة الأمريكية.
سبوتنيك: وفي رأيك أي الخيارين أقرب للتطبيق من قبل أردوغان؟
عمار: شخصيًا أؤكد على الخيار الثاني، فأردوغان وصل لنقطة اللاعودة مع أمريكا وأوروبا بعد موقفهما الواضح والمؤيد ضمنيا للحظات الأولى للانقلاب، ثم تهديدهم بالانسحاب من قاعدة إنجرليك، وطرد تركيا من حلف الأطلسي، وغلق مفاوضات انضمامها للاتحاد نتيجة تجاوزات أردوغان بعد وأد الانقلاب، وفي المقابل أتت كل أفعال أردوغان اليوم استفزازا لهم قبل أن تصب في خانة التخلص من أعدائه المحليين.
بمعنى آخر، أردوغان أدرك أنه بات كارتًا محروقًا لهذا المعسكر، لكن أيضًا أردوغان مدرك تمامًا لقوة معسكر شنغهاي الصاعد بقوة لحكم عالم متعدد الأقطاب.
