زيت الزيتون التونسي...أرقام هامة في التصدير ورهان صعب على كسر الهيمنة الأوروبية

© Photo / Unsplash/ Skyler Ewing
تابعنا عبر
حصري
شهد قطاع زيت الزيتون في تونس خلال الموسم الأخير ديناميكية لافتة، عكستها أرقام قياسية غير مسبوقة في الإنتاج والتصدير، ما أعاد تأكيد موقع البلاد كأحد أبرز الفاعلين في السوق العالمية، خاصة في مجال الزيت البيولوجي.
فخلال أشهر ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط، تجاوزت الصادرات التونسية 50 ألف طن شهريا، وفق ما أكده وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عابد، الذي أشار إلى أن هذا الأداء "لم يتحقق في تاريخ تصدير زيت الزيتون التونسي"، معتبرا أنه "انتصار للدبلوماسية الاقتصادية التونسية".
وتأتي هذه القفزة في التصدير مدفوعة بارتفاع الإنتاج، إذ تشير التقديرات إلى أن محصول زيت الزيتون لموسم 2025 - 2026 يقدر بنحو 500 ألف طن، ما يجعل تونس تتبوأ المرتبة الثانية عالميا على صعيد إنتاج زيت الزيتون وتصديره بعد إسبانيا.
ورغم استمرار تأثيرات أزمة الجفاف التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة، تواصل تونس تعزيز ريادتها العالمية في إنتاج زيت الزيتون العضوي، بحصة تُقدّر بأكثر من 40% من السوق الدولية، مع توسع المساحات البيولوجية إلى ما يفوق 250 ألف هكتار.
وتظل الأسواق الأوروبية، وخاصة إيطاليا وإسبانيا، الوجهة الرئيسية لصادرات الزيت التونسي، إذ تستقطب نحو 70% من الكميات المصدرة، مستفيدة في جزء كبير منها من الأسعار التنافسية للمنتوج التونسي الذي يُصدّر غالبا بشكل سائب قبل إعادة تعليبه.
وفي المقابل، تعمل السلطات التونسية على تنويع وجهات التصدير نحو أسواق جديدة، من بينها الأردن والإمارات العربية المتحدة، في إطار توجه استراتيجي لتقليص التبعية للشركاء التقليديين، رغم ما تطرحه هذه الأسواق من تحديات مرتبطة بالرسوم الجمركية وشروط النفاذ.
وفرة في الإنتاج مقابل ضعف في الأسعار
واعتبر المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن الإشكال في تونس لا يتعلق بقدرة البلاد على التصدير في حد ذاته، قائلا: "تقريبا كل الكميات تُصدّر من سنة إلى أخرى، وحتى إن بقيت كميات فإنها تُرحّل إلى السنة الموالية، غير أن جوهر الأزمة يكمن في مستوى الأسعار التي يتم بها تسويق الزيت التونسي في الأسواق العالمية".
وأضاف المتحدث، أن "زيت الزيتون التونسي يُصدَّر بأسعار أقل من المعدلات العالمية بفارق يتراوح بين 30 و50 سنتيما، وهو ما ينعكس مباشرة على العائدات"، موضحا أن هذا الفارق "يُترجم إلى خسارة تتراوح بين دينار ونصف ودينارين في الكلغ الواحد، وهو ما يؤثر بالأساس على الفلاح".
وشدد الزياني، على أن "المتضرر الأول في كل هذه المنظومة هو الفلاح، باعتبار أن بقية حلقات السلسلة، من محولين ومصدّرين، تظل محمية بهوامش الربح التي تتيحها السوق، في حين تكبد الفلاح خسائر متتالية خلال الموسمين الأخيرين بسبب تدني الأسعار"، مضيفا أن "الأسعار التي حددها الدولة على مستوى التصدير تبقى أدنى من مستويات الموسم الماضي".
وفي تعليقه على نسق التصدير الذي تجاوز 50 ألف طن شهريا، اعتبر الزياني أن هذا الرقم "لا يزال دون المطلوب، بالنظر إلى وفرة الإنتاج في تونس وتراجع الإنتاج العالمي بنحو 4%، ما يزيد من الطلب على الزيت التونسي"، مشيرا في هذا السياق إلى أن "تونس تحتل المرتبة الثانية عالميا خلال الموسم الحالي بعد إسبانيا، بإنتاج يقارب 500 ألف طن، مقابل استهلاك محلي في حدود 40 ألف طن".
كما أرجع فوزي الزياني تسارع وتيرة التصدير إلى عاملين رئيسيين، هما "تدنّي الأسعار من جهة، والجودة العالية للزيت التونسي من جهة أخرى"، موضحا أن "جزءا كبيرا من الصادرات، خاصة الموجهة نحو أوروبا، يُستخدم في خلط الزيوت لتحسين جودتها قبل إعادة تسويقها"، وقال في هذا الإطار إن "زيتنا مطلوب وذو جودة ممتازة، لكننا إلى حد الآن لا نحسن بيعه بطريقة تحقق القيمة المضافة".
وبخصوص العائدات، لفت المتحدث إلى مفارقة لافتة، مبيّنا أنه "رغم ارتفاع الكميات المصدرة مقارنة بالموسمين الماضيين، فإن المداخيل لم تبلغ المستوى القياسي المسجل خلال موسم 2023 - 2024، عندما تجاوزت العائدات 5000 مليون دينار (نحو 1473 مليون أورو) مقابل تصدير 196 ألف طن".
وختم الزياني بالتأكيد على ضرورة الانتباه إلى هذه المعادلة، معتبرا أن "التركيز على الكميات وحدها لا يكفي، إذ يمكن لتونس أن تصدّر كميات أقل بأسعار أعلى، بما يضمن مكاسب أفضل للفلاح وللاقتصاد الوطني، خاصة من حيث العملة الصعبة والعائدات الجبائية".
تحديات هيكلية
وفي حديثه عن التحديات الهيكلية التي تعترض قطاع زيت الزيتون، أكد المختص في السياسات الفلاحية، فوزي الزياني، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن تونس "ما تزال في الدرجات الأولى من السلم"، مشيرا إلى أن جزءا هاما من الصادرات يتم تسويقه سائبا، في حين لا تتجاوز نسبة الزيت المعلب 15% من إجمالي الكميات الموجهة للتصدير، رغم تحسنها مقارنة بسنوات سابقة لم تكن تتعدى فيها 8 إلى 10%".
واعتبر أن "هذا التطور في التعليب يبقى محدودا"، لافتا إلى أنه "جاء أساسا نتيجة تدني الأسعار"، مضيفا أن "تونس ما دامت لا تتجه نحو رفع نسبة الزيت المعلب إلى مستويات تتراوح بين 50 و60% أو تصدير الزيت السائب بقيمة مضافة أعلى، فإنها ستبقى تصدّر كميات كبيرة ولكن بإيرادات ضعيفة"، واصفا ذلك بأنه "أحد أبرز التحديات المطروحة".
وفي السياق ذاته، أشار الزياني إلى "غياب استراتيجية وطنية واضحة ومتكاملة لتثمين زيت الزيتون، تقوم على أسس التعليب، وتعزيز القيمة المضافة، وتطوير منظومة التسميات المثبتة".
وقال إن تونس "تعد من أضعف البلدان في هذا المجال"، مبرزا أن معظم صادراتها تتجه إلى الأسواق الخارجية "دون هوية واضحة"، باستثناء تسمية محدودة، وهو ما اعتبره "خللا تتحمل مسؤوليته الجهات المعنية، خاصة وزارات الفلاحة والصناعة والتجارة"، وفق قوله.
وشدد على ضرورة الاستثمار في هذا الجانب، موضحا أن تعزيز الثقة في زيت الزيتون التونسي يمر عبر "إطلاق خطة تمتد على خمس أو ست سنوات لإحداث ما لا يقل عن 15 تسمية حسب المناطق وأصناف الزيتون"، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل "قفزة ضرورية" لتثمين المنتوج.
كما لفت إلى ضعف آليات الترويج، قائلا إن تونس "ما تزال تعتمد على أساليب تقليدية وكلاسيكية"، رغم أهمية المشاركة في المعارض، داعيا إلى البحث عن أدوات أكثر نجاعة للوصول إلى المستهلكين في الأسواق الخارجية، خاصة وأن "عديد الدول تستهلك زيت الزيتون التونسي دون أن تدرك أنه منتوج تونسي".
وتوقف الزياني عند عناصر قوة غير مستغلة، من بينها البعد التاريخي لزيت الزيتون في تونس الممتد لأكثر من 3000 سنة، إضافة إلى تنوع الأصناف الذي يتجاوز 100 نوع، فضلا عن تصدر تونس عالميا إنتاج وتصدير الزيت البيولوجي، وهي معطيات، وفق تعبيره، "لم يتم استثمارها بالشكل الكافي في الترويج والتسويق".
زيادة الكميات المصدرة لأوروبا.. خيار محل تساؤل !
وبخصوص التفاوض مع الاتحاد الأوروبي للترفيع في الكميات المصدرة إليه والمعفاة من الرسوم الجمركية، اعتبر آدم بن عيسى، وهو صاحب شركة تصدير زيت زيتون، أن "التمركز داخل السوق الأوروبية لم يعد يحقق لتونس المكاسب المرجوة".
وأوضح قائلا: "هذه السوق، رغم أهميتها التاريخية، تُبقي تونس في موقع المزوّد بالمواد الأولية، حيث يتم تصدير الجزء الأكبر من الزيت سائبا، ثم يُعاد تعليبه وتسويقه تحت علامات أوروبية تحقق هوامش ربح أعلى".
وأشار إلى أن رفع الصادرات نحو أوروبا، وخاصة إلى إيطاليا وإسبانيا، "لن يكون بالضرورة في مصلحة تونس"، باعتبارهما بلدين منافسين في هذا المجال، ويستفيدان من اقتناء زيت الزيتون التونسي بأسعار منخفضة.
وشدد على أن الترفيع في الحصص المعفاة من الرسوم "لن يغيّر جوهر المعادلة"، بل قد يكرّس نفس النموذج القائم على تصدير كميات كبيرة مقابل قيمة مضافة ضعيفة، لافتا إلى أن المنافسة داخل أوروبا "غير متكافئة"، في ظل امتلاك دول مثل إيطاليا وإسبانيا منظومات تسويق قوية وعلامات تجارية راسخة، إلى جانب سياسات دعم تعزز قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية.
ودعا بن عيسى إلى إعادة توجيه البوصلة نحو أسواق جديدة، مبرزا أن "الأسواق الآسيوية، مثل الصين والهند، وأمريكا الجنوبية، إضافة إلى أسواق الخليج العربي، تمثل فرصا واعدة في ظل تزايد الطلب على المنتجات الغذائية عالية الجودة"، مشيرا إلى أن هذه الأسواق "أقل تشبعا وأكثر استعدادا لاستقبال علامات تجارية جديدة"، خاصة مع توسع الطبقات الوسطى وتغير أنماط الاستهلاك نحو المنتجات الصحية.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن السوق الأردنية تقدم نموذجا دالا على إمكانيات التوسع خارج الفضاء الأوروبي، موضحا أن قرارا استثنائيا بالسماح بتوريد كميات من زيت الزيتون لتعويض نقص الإنتاج المحلي، ساهم في تعزيز حضور المنتوج التونسي الذي شهد إقبالا لافتا خلال الفترة الأخيرة، مضيفا أن مثل هذه الفرص "تؤكد وجود طلب حقيقي خارج الأسواق التقليدية، لكنه يظل رهينا بمدى القدرة على استثماره وتحويله إلى حضور دائم".
وأكد أن اختراق هذه الأسواق يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على الترويج المباشر، وإقامة شراكات مع موزعين محليين، إلى جانب الاستثمار في التعليب والتسويق الرقمي، قائلا إن "بناء صورة زيت الزيتون التونسي كمنتوج عالي الجودة لا يمكن أن يتم عبر وسطاء، بل عبر حضور مباشر ومستدام".
وختم بالقول إن "تنويع الوجهات التصديرية لم يعد خيارا ظرفيا، بل يمثل رهانا استراتيجيا لضمان استدامة القطاع، وتحقيق توازن أفضل بين الكميات المصدرة والعائدات، بما يخدم الفلاح والاقتصاد الوطني".


