36 ألف حالة عنف أسري داخل العراق.. النساء والأطفال في صدارة الضحايا

© Photo / Unsplash/ Nadine E
تابعنا عبر
حصري
لم يعد العنف الأسري في العراق حالات متفرقة تدور خلف أبواب مغلقة، بل ظاهرة تتسع تحت ضغط أزمات متراكمة تركت آثارا عميقة على العلاقات داخل المنزل، وحوّلت الأسرة في بعض الحالات من مساحة يفترض أن توفر الأمان إلى بيئة للعنف والخوف.
وتكشف الأرقام المسجلة رسميا عن جانب من هذا الواقع، في ما تبقى حالات أخرى بعيدة عن التوثيق بفعل الخوف والضغوط العائلية والأعراف الاجتماعية، وبينما تتعدد أسباب الظاهرة وتتداخل عواملها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، تبدو معالجتها بحاجة إلى ما هو أبعد من تسجيل البلاغات، عبر منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية والدعم النفسي والاجتماعي، ولا تنتهي عند توفير الحماية القانونية للضحايا ومحاسبة المعتدين.
ويؤكد مراقبون أن العنف داخل الأسرة يبرز كواحد من أكثر الملفات حساسية، إذ تتقاطع فيه تداعيات الفقر والبطالة والاضطرابات النفسية مع ضعف الوعي المجتمعي والثغرات التشريعية، لتنتج ظاهرة لا يمكن الحد منها من دون معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية بالتوازي.
إحدى ضحايا العنف تروي معاناتها
روت إحدى ضحايا العنف الأسري، شهد عبد السلام، لـ"سبوتنيك"، تفاصيل سنوات من التعنيف الذي تعرضت له منذ بداية زواجها، مؤكدة أن "العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، تعد من أبرز أسباب تفاقم الظاهرة".
وقالت عبد السلام، إن "معاناتها بدأت منذ زواجها في سن العشرين، إذ تعرضت للاعتداء من قبل زوجها وأفراد من أسرته"، مشيرة إلى أن "والدته وشقيقه أقدما في إحدى المرات على الاعتداء عليها وكسر أنفها".
وأضافت إنها "كانت حينها طالبة في المرحلة الرابعة من دراستها الجامعية، وأنها تعرضت لاعتداءات متكررة، ما دفعها إلى رفع دعوى قضائية وتقديم تقارير طبية، قبل أن تتنازل لاحقا عن جميع حقوقها بهدف إنهاء العلاقة والتخلص من العنف الذي تعرضت له".

36 ألف حالة عنف أسري في العراق.. النساء والأطفال في صدارة الضحايا
© Sputnik . HASSAN NABIL
وأوضحت أن "طلاقها مكّنها من الاحتفاظ بطفلها، إلا أن معاناتها لم تنتهِ، لأن طليقها لا يزال يهددها ويتعقبها، كما تعرض والدها لاعتداء من قبل مجموعة مسلحة، الأمر الذي عزز مخاوفها من تكرار الاعتداء عليها".
وأكدت عبد السلام أنها "تعيش حالة من الخوف المستمر، حتى أثناء ذهابها إلى عملها كمدرسة، خشية تعرضها لاعتداء جديد"، مشددة على أن "آثار العنف لا تتوقف بانتهاء الزواج، بل قد تستمر في صورة تهديد وملاحقة وضغوط نفسية وأمنية".
وكان العراق سجّل خلال عام 2025 أكثر من 36 ألف حالة عنف أسري أُبلغت عنها رسميا لدى الجهات المختصة، في رقم يعكس اتساع ظاهرة باتت تمثل واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية والحقوقية في البلاد.

36 ألف حالة عنف أسري في العراق.. النساء والأطفال في صدارة الضحايا
© Sputnik . HASSAN NABIL
وبحسب بيانات أوردها المرصد العراقي لحقوق الإنسان، بلغ إجمالي الحالات المسجلة 36 ألفا و289 حالة، توزعت بين اعتداءات بين الأزواج، وأخرى طالت الوالدين والأبناء والإخوة، فضلا عن حالات أسرية متنوعة.
إلا أن المرصد يرى أن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة الحجم الفعلي للعنف داخل الأسرة العراقية، إذ إن الإحصاءات الرسمية لا تشمل سوى الحالات التي وصلت إلى مراكز الشرطة والجهات القضائية، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من الضحايا تتردد في تقديم شكاوى نتيجة الضغوط الاجتماعية والخوف من تبعات الإبلاغ.

36 ألف حالة عنف أسري في العراق.. النساء والأطفال في صدارة الضحايا
© Sputnik . HASSAN NABIL
المرأة والطفل في صدارة الضحايا
في المقابل، أكد والد شهد عبد السلام لـ"سبوتنيك"، أن "اختلاف العادات والتقاليد بين المحافظات العراقية، لا سيما بين البيئات الريفية والحضرية، إلى جانب انتقال الأسر والأفراد بين المحافظات، أدى إلى احتكاك بين أنماط اجتماعية وثقافية مختلفة، ما أسهم في تفاقم بعض المشكلات الأسرية".
وبحسب عبد السلام، فإن "ابنته تعرضت للعنف من قبل زوجها وأفراد من أسرته، وقد واجهت الأسرة تداعيات كبيرة جراء تلك الاعتداءات"، لافتا إلى أن "العنف الأسري بات يمثل ملفا يوميا أمام الجهات المختصة، والنساء والأطفال في مقدمة ضحايا هذه الاعتداءات".
وشدد على "ضرورة التعامل مع الظاهرة باعتبارها مشكلة اجتماعية وأمنية متفاقمة، والعمل على توفير حماية حقيقية للضحايا، إلى جانب معالجة الأسباب التي تقف وراء تصاعد حالات العنف داخل الأسرة".
وتظهر البيانات أن الاعتداءات بين الأزواج شكلت النسبة الأكبر من الحالات المسجلة، إذ بلغ عدد حالات اعتداء الأزواج على زوجاتهم 19 ألفا و587 حالة، مقابل 5 آلاف و918 حالة لاعتداء الزوجات على أزواجهن.
أما الاعتداءات التي طالت الوالدين، فسُجلت 3 آلاف و112 حالة ارتكبها الأبناء بحق آبائهم وأمهاتهم، إلى جانب 531 حالة اعتداء من البنات على الوالدين، بينما أظهرت الإحصاءات تسجيل ألف و583 حالة اعتداء من الإخوة على الأخوات، مقابل 725 حالة من الأخوات على الإخوة.
كما رصدت البيانات ألفا و282 حالة اعتداء من الآباء على أبنائهم، ذكورا وإناثا، فضلا عن 559 حالة اعتداء من الأمهات على الأبناء، وسجلت الجهات المختصة، كذلك، ألفين و992 حالة ضمن الاعتداءات الأسرية المتنوعة، ليصل مجموع البلاغات الرسمية إلى 36 ألفاً و289 حالة خلال عام 2025.

