علماء روس يبتكرون مصدرا مصغرا للضوء المضغوط لأجهزة الاستشعار والحوسبة الكمومية

© Photo / /unsplash/Dynamic Wang
تابعنا عبر
طور باحثون من معهد "روساتوم" والمركز الروسي للفيزياء الكمومية مصدرًا مصغرًا متكاملًا للضوء المضغوط، وهو حالة كمومية خاصة للضوء قادرة على تقليل ضوضاء القياس إلى ما دون الحد الكمومي القياسي، وبفضل تصميمها على شريحة إلكترونية بدلًا من نظام مختبري ضخم، يمكن لهذه التقنية تحسين دقة القياسات البصرية ودعم تطوير حواسيب كمومية ضوئية قابلة للتطوير.
تستطيع الأجهزة البصرية الحديثة قياس تغيرات صغيرة للغاية في الضوء، إلا أن حتى أفضل الأنظمة تواجه في نهاية المطاف عقبة أساسية، وهي الضوضاء الكمومية، فعند مستويات الإشارة المنخفضة جدًا، لا تصل الفوتونات بانتظام تام، ما يُحدث تقلبات حتمية تعرف بضوضاء الطلقات، والتي تحد من دقة قياس كميات مثل سعة الضوء أو طوره.
يقدم الضوء المضغوط حلًا ذكيًا لجزء من هذا القيد، ليس عن طريق إزالة عدم اليقين الكمومي، وهو أمر لا تسمح به قوانين الفيزياء، بل عن طريق إعادة توزيعه، فإذا سُمح بزيادة عدم اليقين في إحدى خصائص الضوء، يُمكن تقليل عدم اليقين في خاصية أخرى إلى ما دون الحد الكمي المعتاد، ما يُتيح للعلماء قياسًا أدق للخاصية التي يحتاجونها فعليًا.
يمكن تصوّر ذلك بسهولة على شكل دائرة تُمثل عدم اليقين الطبيعي لحقل ضوئي، فعندما يُضغط الضوء، تتحول هذه الدائرة إلى قطع ناقص، حيث يزداد عدم اليقين في اتجاه بينما يتقلص في الاتجاه الآخر. وبالتالي، يُمكن للقياسات التي تُجرى في الاتجاه الأقل سطوعًا أن تكشف إشارات كانت ستختفي لولا ذلك وسط الضوضاء الكمية.
حساسية أكبر دون ضوء أقوى
تكمن الميزة الرئيسية في إمكانية تحسين الحساسية دون زيادة قوة الليزر ببساطة، وهو فرق جوهري لأن الإضاءة الأقوى ليست دائمًا آمنة أو عملية، ففي البحوث البيولوجية، على سبيل المثال، قد يُلحق الضوء الشديد الضرر بالخلايا أو الأنسجة الحية، بينما قد تكون هناك حاجة إلى قياسات بصرية عالية الحساسية لتحليل الدم أو دراسة العمليات البيولوجية.
إن الضوء المضغوط ليس مجرد مفهوم نظري، فقد تم دمج هذه التقنية في المجهر البيولوجي المتقدم، ومن أبرز تطبيقاتها مرصد ليغو لموجات الجاذبية، حيث يُسهم تقليل التشويش الكمومي في تمكين أجهزة الكشف من قياس التشوهات الدقيقة للغاية في نسيج الزمكان الناتجة عن أحداث مثل اندماج الثقوب السوداء.
ما يُميز هذا التطوير الروسي الجديد هو التكامل، فأنظمة الضوء المضغوط التقليدية قد تشغل حيزًا كبيرًا في المختبر وتتطلب مكونات بصرية مُحاذية بدقة، بينما يُنفذ المصدر الجديد على شريحة، ما يجعل النظام أصغر حجمًا وأسهل في إعادة إنتاجه وربطه بمكونات ضوئية أخرى ودمجه في منصات تكنولوجية أكبر.
ووفقًا لديمتري تشيرموشينتسيف، الذي يرأس مجموعات بحثية في شركة روساتوم لتقنيات الكم والمركز الروسي للكم، فإن التطبيقات المتكاملة بدأت للتو بالظهور على الصعيد الدولي، وقد تطلب إنشاء مثل هذا النظام تعاونًا بين الباحثين والصناعة وبرنامج الحوسبة الكمومية الحكومي الذي تُنسقه شركة "روساتوم".
من أجهزة الاستشعار الدقيقة إلى الحواسيب الكمومية
قد تُصبح مصادر الضوء المضغوطة صغيرة الحجم مفيدةً في مجال الاتصالات، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، وحتى الأجهزة الفضائية، حيث يُعدّ الحجم والوزن عاملين حاسمين، كما يُسهّل دمج المصدر على شريحة إلكترونية تصور أنظمة تضمّ العديد من المكونات البصرية تعمل معًا، بدلًا من الاعتماد على أجهزة مخبرية منفصلة.
وتُعدّ هذه التقنية ذات صلة أيضًا بـ"الحوسبة الكمومية" ذات المتغيرات المستمرة، وهو نهج يخزن ويعالج المعلومات الكمومية في خصائص الضوء، مثل السعة والطور، بدلًا من الاعتماد على الفوتونات الفردية كبتات كمومية منفصلة.
يمكن للحوسبة الكمومية الضوئية التقليدية التعامل مع الفوتونات المفردة كوحدات رقمية منفصلة، بينما تعمل أنظمة المتغيرات المستمرة مع خصائص متغيرة باستمرار للمجالات الكهرومغناطيسية،وتُشكّل الحالات المضغوطة موردًا هامًا لإنشاء هذه الإشارات الكمومية ومعالجتها، لذا فإن المصادر صغيرة الحجم قد تُسهّل بناء معالجات كمومية بصرية أكبر حجمًا.
يؤكد الباحثون أن هذا المجال من الحوسبة الكمومية أقل تطوراً في روسيا حاليًا مقارنةً بالأساليب القائمة على الفوتونات المفردة، إلا أن مصدر الضوء المضغوط المتكامل يُمثل لبنة تكنولوجية أساسية قد تُسهم في تطوير هذا المجال نحو أنظمة أكبر وأكثر عملية.
لذا، تكمن أهمية هذا الإنجاز ليس في تغيير قوانين ميكانيكا الكم، بل في استخدامه لهذه القوانين بذكاء أكبر، فمن خلال إبعاد عدم اليقين الكمومي الحتمي عن الكمية المقاسة، ووضع التقنية البصرية اللازمة على شريحة صغيرة، يستطيع الباحثون إجراء قياسات أكثر حساسية، مع تسهيل توسيع نطاق أنظمة الفوتونات الكمومية المتقدمة بشكل ملحوظ.
المصدر : | بوابة روسيا العلمية |

