البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية

© Sputnik . Abdul kader Al Bay
تابعنا عبر
حصري
في قلب مدينة النبطية، تقف بقايا مبانٍ كانت شاهدة على مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، قبل أن تطالها الغارات الإسرائيلية خلال الحرب. مبانٍ يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، وأخرى إلى بدايات القرن العشرين، تحمل في تفاصيلها المعمارية ذاكرة اجتماعية وثقافية للمدينة.
ويقول المؤرخ علي مزرعاني في حديث لـ"سبوتنيك": "هذه المنطقة كانت تضم أول بناية في النبطية شُيدت على الطراز الغربي، وتعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين"، مشيرا إلى أن "البناية مؤلفة من طابقين، ويتميز طابقه الأول بممر دائري تحيط به القناطر القديمة، في ما تضم الشقق شرفات نصف دائرية. وكانت في الأصل ملكاً لعلي حسان صباح، قبل أن تنتقل إلى علي جابر".
ويؤكد مزرعاني أن "هذه البناية لم تكن مركزاً عسكرياً، ومع ذلك دُمرت جراء الغارات الجوية الإسرائيلية خلال الحرب".
ويتابع: "خلفها مباشرة، كان يقع أحد أقدم بيوت النبطية، ويعود إلى القرن التاسع عشر. كان المنزل يتألف من خمس قاعات قديمة ذات قناطر معقودة بالحجر، وكان يُعد من أبرز المعالم التراثية في المدينة، إذ كان في الأصل خاناً قديماً لآل جابر".
ويصف مزرعاني تدمير هذا المنزل بأنه "خسارة كبيرة للمدينة، كونه كان واحداً من آخر البيوت التراثية البارزة فيها"، مشيراً إلى أن "النبطية فقدت بذلك جزءاً مهماً من ذاكرتها العمرانية، ولم يعد فيها سوى عدد قليل من المعالم القادرة على استحضار تاريخها القديم".

البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ومن هذه المنطقة ينتقل مزرعاني إلى مدخل حي السرايا القديم، الذي يعود بدوره إلى القرن التاسع عشر، حيث كان المدخل يضم عشرات الحرفيين الذين امتهنوا صناعة الأحذية وتصليحها، قبل أن تطاله الأضرار جراء الغارات، حتى باتت بعض أجزائه بالكاد قائمة.
وحسب مزرعاني، "لا يقتصر الدمار على المنازل، إذ أصيب أيضاً مسجد حي السرايا القديم، المحاذي للسوق، والذي يعود بناؤه إلى أواخر القرن الثامن عشر، قبل أن يخضع للترميم في مطلع القرن التاسع عشر".

البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
أما أحد أبرز البيوت التي فقدتها النبطية، فهو بيت الدكتور بهجة الميرزا، الذي كان من أقدم وأجمل البيوت التراثية في المدينة. ويشير مزرعاني إلى أن "المنزل كان يتميز بزخارفه وشرفاته المتعددة وعليته وقناطره، وكان من البيوت التي تفتخر بها النبطية، ومن أبرز البيوت التراثية في الجنوب، قبل أن تؤدي غارة إسرائيلية إلى تدميره بالكامل".
وبالقرب منه، تعرضت المدرسة الابتدائية لأضرار بالغة. ويشير مزرعاني إلى أن "المدرسة تعود إلى مطلع القرن العشرين، وكانت أول مدرسة رسمية ومن أهم المدارس في جبل عامل، حتى عُرفت باسم "أم المدارس".

البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ويتابع مزرعاني: "ما تبقى اليوم من البيوت التراثية القديمة في النبطية قليل جداً، من أبرزها بيت النائب والوزير السابق محمد بيك الفضل، المدرج على لائحة الجرد العام للمباني التراثية التي يمنع هدمها".
وكانت وزارة الثقافة بدأت العمل على ترميم البيت وتأمين المساعدات اللازمة لإعادته إلى حالته الأصلية، إلا أن الحرب الأخيرة أدت إلى توقف هذه المشاريع.

البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ورغم ذلك، لا تزال بعض المنازل القديمة موجودة في أحياء السرايا والبياض، بينها بيوت يعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لكنها تحتاج إلى أعمال ترميم للحفاظ عليها وإعادتها إلى الخارطة التراثية والاجتماعية للمدينة.
ويشدد مزرعاني على أن الخسارة لا تقتصر على المباني نفسها، قائلاً: "ما يجري ليس تدميراً لبيت أو حجارة فقط، بل محاولة لمحو ذاكرة اجتماعية وجماعية".

البيوت التراثية في النبطية جنوبي لبنان.. ذاكرة مدينة دمرتها الغارات الإسرائيلية
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ويشير مزرعاني إلى أن "الجزء الأكبر من هذه البيوت، وأكثر من نصفها وربما ثلاثة أرباعها، دُمر بالكامل، فيما تعرض نحو ربعها لأضرار بالغة. أما ما بقي، فلا يتجاوز نحو 30 في المئة، وغالباً ما يكون عبارة عن غرف أو أجزاء من منازل قديمة يزيد عمرها على مئة عام".
وفي حي السرايا، لا تزال بعض البيوت القديمة قائمة، وكانت قد خضعت للترميم قبل نحو خمسة عشر عاماً، إلا أن الحرب أعادت تهديدها من جديد، بعدما تعرضت لأضرار بالغة. ويؤكد مزرعاني أن "بعض هذه البيوت لا يزال قابلاً للترميم، فيما بات ترميم بعضها الآخر أكثر صعوبة، ما يجعل الحفاظ على ما تبقى منها مسؤولية ملحة، ليس فقط لحماية مبانٍ قديمة، وإنما للحفاظ على جزء من تاريخ النبطية وذاكرتها الجماعية".
