أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة

© Sputnik . Ajwad Jradat
تابعنا عبر
حصري
في ملعب بسيط في دير البلح وسط قطاع غزة، يجتمع عشرات الأطفال من مبتوري الأطراف، للعب كرة القدم، حيث جعلتهم الكرة يستعيدون جزءًا من شغفهم بالحياة، بعدما تجرّعوا مرارة القصف وفقدوا أطرافهم.
بجهود متواضعة تحولت مساحة صغيرة إلى ملعب مغلق، وفضاء للفرح والحركة والتمرين، حيث تغدو كرة القدم نافذة يطل منها هؤلاء الأطفال على حياة يتجاوزون فيها آلام البتر وصدمات القصف، ليستعيدوا ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على استئناف حياتهم مجددا.
ويقول الطفل عبيدة سليمان لـ"سبوتنيك": "فرحة كبيرة غمرتني حين عدت أمسك بالكرة من جديد وأقف على قدمي بعد أن كنت مصابا ببتر في رجلي، ولم أكن أتوقع أبدا أن أعود إلى اللعب مرة أخرى، فكان ذلك الشعور مزيجا من السرور والعزيمة والإرادة القوية التي دفعتني لأكمل طريقي وأتجاوز محنتي".
واضاف: "تحسنت نفسيتي كثيرًا بعد أن أصبح لدي هدف أسعى إليه، وأفكر فيما يمكنني أن أفعله في مستقبلي بدلا من الجلوس دون فائدة، فقبل التحاقي بالأكاديمية كنت أقضي وقتي في البيت دون حركة أو نشاط، أما الآن فقد أصبحت أمارس كرة القدم وأقوم بأشياء كثيرة كنت أظنها مستحيلة".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويتابع عبيدة: "حلمي اليوم أن أسافر، وأشارك في البطولات الخارجية، وأنضم إلى المنتخبات الدولية، وأصبح لاعبًا معروفا ومعترفا به، وقد كنت فقدت الأمل منذ زمن طويل قبل أن تتحول حياتي بهذه الطريقة التي لم أتوقعها".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ورغم فقدان هؤلاء الأطفال للقدم أو اليد خلال الحرب، إلا أن تلك الحرب فشلت في أن تسلبهم رغبتهم في اللعب وحلمهم بطرف صناعي وأملهم في الجري والحياة كغيرهم من الأطفال، وتتعالى صيحات الأطفال أثناء التدريب في إشارة على شغفهم لتجاوز ما فقدوه بسبب الحرب.

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويقول الطفل يوسف الكرد لـ "سبوتنيك": "بعد البتر جراء القصف، كنا نجلس في المنازل والخيام ولا نفعل شيئا، ولكن منذ أن بدأنا بالحضور إلى الأكاديمية والتدرب واللعب تغير كل شيء وتحولت نفسيتي من السلبية إلى الإيجابية، وأصبحت ألعب وأنا واثق من نفسي ومن قدرتي على التغلب على إصابتي والتحدي الذي واجهته".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويضيف: "لم تعد الإعاقة عائقًا أمامي بل أصبحت حافزا أدفع به نفسي نحو الأمام، وأثبت لنفسي وللجميع أن الحياة لا تتوقف عند سقطة أو جرح بل هي مستمرة لمن يريد أن يعيشها بكل قوة، واليوم أشعر بأنني ولدت من جديد وأن الطريق أمامي مفتوح طالما أنني أملك الإرادة والعزيمة لمواصلة السير فيه".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
وتشرف أكاديمية "هييل" لكرة القدم للمبتورين على تدريبات متخصصة، تجمع بين التأهيل البدني والنفسي ضمن برنامج تدريبي يستمر ستة أشهر، يهدف إلى بناء فرق رياضية قادرة على المنافسة على صعيد فلسطين ثم عربيًا ودوليًا.

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويشير مدرب كرة القدم أدم المبحوح إلى أن "هذه الفئة من الأطفال أصبحت ذات حضور واسع في قطاع غزة بفعل الأعداد الهائلة من الأطفال الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب"، وأوضح أن "البرنامج التدريبي موجّه للأطفال مبتوري الأطراف سواء في القدم أو اليد".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويضيف في حديث لـ"سبوتنيك: "نتعامل مع ما يقارب 70 إلى 75 طفلا من مبتوري الأطراف في ظل غياب الملاعب المناسبة، وغياب الإمكانيات الكافية التي تتيح لنا التدرب بالشكل المطلوب، ومع ذلك نحاول جاهدين أن نجهز هؤلاء الأطفال ونعمل على تأهيلهم بدنيًا ونفسيًا، لأنهم ليسوا مجرد أطفال عاديين بل هم أطفال المستقبل الذين يجب أن نمنحهم كل الدعم والثقة حتى يستطيعوا تجاوز محنتهم".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويتابع المبحوح: "نحن نؤمن بأن المعالجة يجب أن تشمل الجانبين البدني والنفسي معًا، لأنهم يعانون من صدمات نفسية عميقة نتيجة ما مروا به خلال الحرب، لذلك نسعى جاهدين إلى إخراجهم من هذه الحالة النفسية الصعبة والموازنة بين التدريب البدني والتأهيل النفسي، لكي نصل بهم إلى حالة متكاملة من الثقة والقدرة على مواجهة الحياة".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويقول المواطن موسى صالح لـ "سبوتنيك": "من خلال متابعتي لهؤلاء الأطفال عن قرب لاحظت وجود علامات إيجابية كثيرة تبشر بالخير مع استمرارهم في هذه التمارين، حيث أرى أنهم يتحسنون تدريجيًا نحو الأفضل، رغم كل الظروف الصعبة التي نواجهها في غزة من نقص في الإمكانات وغياب الدعم الكافي".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويضيف: "منذ التحاقهم بالأكاديمية شاهدت تطورًا ملموسًا في سلوكياتهم وفي أدائهم الرياضي أيضا، وأصبحوا أكثر انضباطا وأكثر ثقة وتفاؤلا بالمستقبل، والأهم من ذلك أنني رأيت الابتسامة تعود إلى وجوههم ورأيت في أعينهم بريق الأمل الذي كاد أن ينطفئ تحت وطأة القصف والحرب، وأتمنى أن تتسع الجهود وتزداد الإمكانيات لتشمل أطفالا آخرين يعانون مثلهم".

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويعاني أطفال غزة من مأساة إنسانية عميقة خلفتها الحرب، فمنهم من قُتل أو أُصيب أو بترت أطرافه، وتبين التقديرات الطبية والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية أن الحرب الأخيرة على غزة خلفت آلاف الجرحى الذين اضطر الأطباء لبتر أطرافهم سواء كانت علوية أو سفلية لإنقاذ حياتهم.

أطفال غزة مبتورو الأطراف يسجلون هدفا في مرمى الحياة
© Sputnik . Ajwad Jradat
وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة الصحة والمصادر الطبية في القطاع، فقد تجاوزت حصيلة عمليات بتر الأطراف التي أجريت داخل المستشفيات 6000 حالة، وأظهرت التقارير الطبية الرسمية أن الأطفال هم الأكثر تضررًا ويمثلون نسبة 25% من إجمالي حالات البتر، أي أن نحو 1500 طفل فقدوا أحد أطرافهم العلوية أو السفلية أو كلاهما، وسط ظروف صحية صعبة للغاية، ونقص في الإمكانيات الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية.
