علماء روس يكتشفون "مفتاحا حراريا" داخل الموصلات الفائقة من نوع "شبه البلورات"

© Photo / press service of UNN/Andrey Skvortsov
تابعنا عبر
اكتشف باحثون من الجامعة الوطنية للبحوث النووية، ومعهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا، وجامعة HSE، أن مجرد تغيير درجة الحرارة يمكن أن يعيد تنظيم الدوامات المغناطيسية داخل شبه بلورة فائقة التوصيل، ففي درجات الحرارة المنخفضة جداً، تتبع الدوامات البنية غير المألوفة للمادة، ولكن مع ارتفاع درجة حرارة المادة، تعيد الدوامات تنظيم نفسها في نمط مثلثي منتظم.
تُعد شبه البلورات (Quasicrystals) مواد غير تقليدية؛ إذ تتبع ذراتها نمطاً مرتباً، ولكن -على عكس البلورات العادية- فإن هذا النمط لا يتكرر بشكل دوري. كانت هذه البنية غير المألوفة تجعل حدوث ظاهرة التوصيل الفائق في شبه البلورات أمراً مستبعداً في السابق، إلا أنه تم اكتشاف شبه بلورات فائقة التوصيل بالفعل، مما أثار تساؤلاً جديداً: كيف تتصرف المغناطيسية بداخلها؟
توصل الباحثون إلى إجابة مثيرة للاهتمام، وتصف دراستهم التي نُشرت في دورية "Physical Review B" تغيراً تحركه درجة الحرارة في تنظيم دوامات أبريكوسوف (Abrikosov vortices) داخل شبه بلورة فائقة التوصيل ثنائية الأبعاد من نوع "بنروز" (Penrose-type).
ما هي هذه الدوامات المغناطيسية؟
في بعض الموصلات الفائقة، يمكن للمجال المغناطيسي أن يخترق المادة على شكل هياكل صغيرة وموضعية تُعرف باسم دوامات أبريكوسوف، وتحمل كل دوامة تدفقاً مغناطيسياً وتتفاعل مع المادة المحيطة بها ومع الدوامات المجاورة لها.
عند درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق، وجد الباحثون أن هذه الدوامات تصبح مثبتة بقوة بفعل بنية شبه البلورة،ونظراً لأن النمط الأساسي للمادة شبه دوري (وليس متكرراً بانتظام)، فإن الدوامات تشكل ترتيباً غير دوري فريداً يعكس بنية المادة ذاتها.
ومع ذلك، عندما ترتفع درجة الحرارة مقتربةً من درجة حرارة التحول إلى حالة التوصيل الفائق، تتغير موازين القوى، حينها، يقل تأثير مواقع التثبيت الطبيعية الموجودة في شبه البلورة على الدوامات، وتصبح قوى التنافر المتبادل بين الدوامات نفسها هي العامل الأهم؛ ما يدفعها لإعادة تنظيم نفسها في شبكة أبريكوسوف المثلثية المألوفة التي توجد عادةً في الموصلات الفائقة التقليدية.
لماذا يُطلق عليه اسم "مفتاح حراري"؟
يصف الباحثون هذا التأثير بأنه مفتاح حراري على المستوى العياني (macroscopic)؛ لأن درجة الحرارة هي التي تحدد أي التأثيرين المتنافسين سيسود.
فعند درجات الحرارة المنخفضة، تتحكم البنية الذرية المعقدة لشبه البلورة في أماكن تموضع الدوامات، أما عند درجات الحرارة الأعلى، فتسود التفاعلات بين الدوامات نفسها، مما ينتج عنه الترتيب المثلثي الأكثر انتظاماً.
ويمكن القول إن تغيير درجة الحرارة يعمل بفعالية على تفعيل أو تعطيل تأثير بنية شبه البلورة على هذه الدوامات، إن ما يتغير هو نمط الدوامات، وليس تدفق الحرارة عبر المادة.
لماذا كانت دراسة هذا الأمر صعبة؟
تُشكل البلورات شبه الدورية (Quasicrystals) تحدياً نظرياً أيضاً، فالعديدمن الطرق القياسية في فيزياء الحالة الصلبة مصممة إما للأنظمة المستمرة أو للبلورات العادية ذات البُنى الذرية المتكررة، في حين لا تنطبق أي من هاتين الصفتين تماماً على البلورات شبه الدورية.
لذا، ووفقاً لما ذكره أندري كراسافين من معهد موسكو للفيزياء الهندسية، كان على الباحثين تطوير طريقتهم الخاصة لحساب المجال المغناطيسي ووصف سلوك الدوامات بشكل صحيح داخل الشبكة البلورية شبه الدورية.
وتكمن أهمية هذا العمل ليس فقط في كشفه عن تأثير فيزيائي جديد، بل أيضاً في توفيره وسيلة لدراسة الظواهر المغناطيسية في مواد لا تخضع للنمط الدوري البلوري التقليدي.
هل يمكن أن يؤدي هذا إلى تطوير مواد فائقة التوصيل مفيدة؟
تتمثل الأهمية المباشرة لهذه النتيجة في جانبها الأساسي؛ إذ تكشف عن وجود تنافس قابل للتحكم بين عملية التثبيت شبه الدوري (quasiperiodic pinning) والتفاعلات بعيدة المدى بين الدوامات.
غير أن الباحثين يرون أيضاً إمكانية وجود تطبيقات تكنولوجية محتملة؛ فالمواد التي يمكن فيها التحكم في بُنى الدوامات عن طريق درجة الحرارة قد تُلهم في نهاية المطاف أساليب جديدة لتطوير مواد فائقة التوصيل تتميز بسلوك للدوامات قابل للضبط حرارياً.
كما يهتم الفريق البحثي بميزة أخرى غير معتادة في البلورات شبه الدورية، وهي أن بنيتها تولّد بطبيعتها أشكالاً من الاضطراب المترابط. وتشير أبحاث سابقة أجراها الفريق إلى أن مثل هذه الارتباطات يمكن أن تؤثر على درجة الحرارة الحرجة للمواد فائقة التوصيل - بل وتزيدها في بعض الحالات. ولذلك، يخطط الباحثون لدراسة ما إذا كانت مبادئ مماثلة قد تساعد في رفع درجة حرارة التحول إلى حالة التوصيل الفائق في المواد ذات البنية البلورية شبه الدورية.


