سفن البحر الأحمر الغارقة تكشف تفاصيل هامة في التاريخ البحري للمملكة العربية السعودية

© AP Photo / Amr Nabil
تابعنا عبر
على مدى آلاف السنين، كان البحر الأحمر واحدا من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث ربط شبه الجزيرة العربية بأفريقيا وآسيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. وعبر مساراته، تنقلت البضائع والحجاج والمهاجرون، وكذلك السفن التي حملتهم. واليوم، تقدم تلك السفن الغارقة، التي تستقر في قاع البحر، روايةً غير مسبوقة عن الماضي البحري للمملكة.
ووفقاً لوكالة الأنباء السعودية، فقد حددت ووثقت سلسلةٌ من الحملات الأثرية على طول الساحل الغربي للمملكة أكثر من 25 موقعاً تحت الماء، بما في ذلك حطام سفن يعود للعصرين الروماني والإسلامي المبكر، ما يرتقي بمكانة البحر الأحمر ليصبح مشهداً أثرياً قائماً بذاته.
عقدٌ من الاكتشافات
بدأت عمليات الاستكشاف المنهجي في عام 2012، حين أجرت بعثة مشتركة ضمت هيئات الآثار السعودية وجامعة "فيليبس" في ماربورغ الألمانية مسحاً للمياه الواقعة بين مدينتي رابغ والشعيبة، حيث تم تحديد بقايا حطام عدة سفن.
وتواصلت عمليات البحث تحت الماء في عامي 2015 و2016 في موقع حطام سفينة بالقرب من أملج، وذلك بالتعاون مع باحثين من جامعة نابولي "لـ أوريينتالي" (L'Orientale)؛ وقد أثبت هذا الموقع قدرة البقايا المغمورة بالمياه على حفظ تفاصيل النشاط البحري ببراعة، حتى بعد مرور قرون على غرق السفينة تحت الأمواج.
وتوجت هذه الجهود في عام 2022، عندما أطلقت هيئة التراث السعودية مسحاً شاملاً للمياه الممتدة بين أملج ورأس الشيخ حميد، وبالتعاون مع مؤسسات علمية وطنية ودولية، قام علماء الآثار بمسح مساحة تبلغ نحو 400 كيلومتر مربع من البحر الأحمر، موثقين أكثر من 25 موقعاً أثرياً، ومؤكدين بذلك على الإمكانات الهائلة التي يزخر بها الساحل الغربي للمملكة، فلم يكن البحر مجرد حدودٍ فاصلة عند الحافة الغربية لشبه الجزيرة العربية، بل كان على مدى قرون طريقاً حيوياً للتبادل الثقافي والتجاري.
التكنولوجيا كآلة للزمن
يتطلب تحديد مواقع هذه "الكبسولات الزمنية" استخدام مجموعة متطورة من الأدوات والتقنيات. تكشف تقنيات السونار البحري ورسم الخرائط الطبوغرافية لقاع البحر (الباثيمترية) عن وجود شذوذات أو معالم غير معتادة في قاع المحيط، بينما تتيح أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) تحديد موقع كل اكتشاف بدقة متناهية على الخريطة.
وتُمكن الصور ومقاطع الفيديو عالية الدقة الملتقطة تحت الماء، بالاقتران مع تقنية القياس التصويري (Photogrammetry)، الباحثين من بناء نماذج ثلاثية الأبعاد مفصلة لحطام السفن، مما يتيح دراسة حالتها وتوزيعها المكاني بأقل قدر ممكن من التدخل المادي. وفي الحالات التي تستدعي مزيداً من البحث، يقوم الغواصون الأثريون بإجراء عمليات تنقيب محكومة وجمع عينات لإخضاعها للتحليل المخبري.
في مجال الآثار المغمورة بالمياه، يُعد "السياق" عنصراً جوهرياً؛ إذ يمكن لمواقع القطع الأثرية والعلاقات المكانية فيما بينها أن تكشف تفاصيل حول حمولة السفينة، وطريقة بنائها، وأغراض استخدامها، بل وحتى الظروف التي أحاطت بلحظاتها الأخيرة.
حماية الماضي المغمور والخطوات القادمة
اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات حاسمة لحماية هذا التراث، حيث صادقت في عام 2015 على اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه. وبموجب هذه الاتفاقية، يُصنَّف أي أثر للنشاط البشري ذي القيمة الثقافية أو التاريخية أو الأثرية ، والذي ظل مغموراً بالمياه، كلياً أو جزئياً، لمدة قرن من الزمان على الأقل، ضمن فئة التراث الثقافي المغمور بالمياه.
تواصل هيئة التراث إجراء المسوحات ورسم خرائط للمواقع المغمورة بالمياه بالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات المتخصصة. كما يعمل البرنامج على بناء خبرات سعودية في مجالي الغوص الأثري والتوثيق تحت الماء، بالتزامن مع إنشاء نماذج رقمية تتيح مراقبة هذه المواقع الهشة والحفاظ عليها على المدى الطويل.
يشكل حطام السفن والبقايا المغمورة في البحر الأحمر دليلاً مادياً ملموساً على قرون من التواصل والترابط؛ حيث تتجمع هذه الأدلة، قطعة تلو الأخرى، لترسم صورة أكثر تفصيلاً عن دور المملكة العربية السعودية في الشبكات البحرية التي ربطت أجزاء العالم القديم ببعضها بعضا.
المصدر: |وكالة الأنباء السعودية، و"بويسك نيوز"|

