موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
15:34 GMT 14.10.2026 (تم التحديث: 15:39 GMT 14.10.2026)

© Sputnik . Abdul kader Al Bay
تابعنا عبر
حصري
في جنوبي لبنان، لا يقتصر موسم قطاف الزيتون على جمع المحصول، بل يعيد إلى الحقول لمّة العائلة وذكريات الطفولة، ويجمع أبناءها في ساعات طويلة من العمل المتعب، الذي تخفف مشقته أحاديث الأقارب ولقاءاتهم السنوية.
في جبشيت، كما في سائر قرى الجنوب التي يمكن الوصول إلى حقولها، بدأ الأهالي جني محصول الزيتون، مستعيدين تقليدًا توارثته الأجيال، فيما يغيب الموسم عن أراض في بلدات لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتعذر على أصحابها الوصول إليها، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بأشجارها، من حرق واقتلاع، وصولا إلى سرقة بعضها.
في إحدى حقول الزيتون في جبشيت، تجتمع مجموعة من أبناء البلدة، لقطاف المحصول كما اعتادوا كل عام. تتوزع المهام بينهم، وتعود إلى الحقل ذكريات الطفولة وتفاصيل موسم توارثوه عن آبائهم، إلا أن قطاف هذا العام يحمل معه غصة الغياب، بعدما فقدت العائلة بعض شبابها خلال الحرب.
وتقول هيام نصور ل"سبوتنيك"، إن "علاقتها بالأرض تعود إلى الطفولة، حين كان الأهل يصطحبون أبناءهم إلى الحقول ويعلمونهم قطاف الزيتون"، مؤكدة أن "هذه العادة لا تزال تجمع أفراد العائلة، رغم أن أبناءها كبروا وتابعوا دراستهم الجامعية".

موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
وتوضح نصور أن "موسم القطاف يشكل مناسبة سنوية يلتقي فيها الأشقاء والشقيقات وأبناؤهم، ويتعاونون في جني المحصول"، معتبرة أن "هذه اللمّة العائلية من أجمل ما يميز الموسم، رغم التعب الذي يتطلبه العمل في الحقول".
وتؤكد أنها "لا تحب الابتعاد عن أرضها، حتى في ظل القصف والتفجيرات التي شهدتها المنطقة"، مشيرة إلى أن "أبناء الجنوب اعتادوا الاعتداءات الإسرائيلية على مدى عقود، وأن معاناتهم لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، بل تعود إلى سنوات طويلة مضت".
وتستحضر نصور خسارة شقيقها الذي "استشهد مع زوجته وعائلته إثر قصف منزله عام 1992، في إشارة إلى الثمن الذي دفعته عائلتها خلال سنوات الاعتداءات". وتقول إنها "تحرص على اصطحاب أبنائها إلى الحقل منذ صغرهم، حتى لو اقتصر الأمر في البداية على اللعب، ليعتادوا المكان وموسم القطاف، ثم يتعلموا العمل فيه عندما يكبرون، لأن الأرض، كما تؤكد، ستبقى لهم".

موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
الزيتون يتجذر في الأرض كما يتجذر أهلها
ولا تقتصر حكاية الموسم على استعادة التقاليد العائلية، بل تتصل أيضا بما تعرضت له أراضي الجنوب وأشجاره خلال الحرب، وما يواجهه الأهالي بعد عودتهم من تهجير استمر أشهرًا. ففي مناطق تضررت فيها الأراضي الزراعية، يحاول أصحابها استئناف حياتهم والعودة إلى زراعة الأرض، فيما لا تزال حقول أخرى خارج متناول أصحابها بسبب الاحتلال.
وفي هذا السياق، ترى فاطمة الحسين أن "أشجار الزيتون متجذرة في جبشيت كما أبناؤها، وأن ما تعرضت له الأشجار من اقتلاع لن يمنع الأهالي من زراعة الأرض مجددا وإعمارها". وتقول إن "أبناء البلدة عادوا بعد أشهر من التهجير ليجدوا موسم الزيتون حاضرا، والأشجار محملة بالثمار.

موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
وتربط الحسين بين استمرار الزيتون وتجدد الحياة في الجنوب، معتبرة أن "الأشجار التي تمنح أهلها الزيت والخير تمثل صورة عن صمودهم وتمسكهم بأرضهم، رغم الأثمان التي دفعت".
وتشير إلى أن "الأهالي لن يتخلوا عن أراضيهم، وأنهم سيواصلون زراعتها وتعويض ما فقدوه، مضيفة أن الأشجار المعمرة تحمل في جذوعها دليلًا على عمرها، وعلى تاريخ طويل من ارتباط أبناء المنطقة بأرضهم".

موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
القطاف رغم المخاطر
ورغم عودة الأهالي إلى حقولهم، لا تزال المخاطر الأمنية حاضرة في مناطق من جنوبي لبنان، في ظل استمرار التحليق الإسرائيلي والقصف والتفجيرات التي تطال عددا من البلدات.
ويقول محمد حرب إن "وجود الأهالي في حقول الزيتون يجري في وقت يعتبر فيه كثيرون من خارج المنطقة أن البقاء فيها ينطوي على مخاطر، في ظل احتمال تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية".
ويشير إلى أن "الطيران الحربي الإسرائيلي يحلق يوميا فوق المنطقة، إلا أن ذلك لا يرعب أصحاب الأراضي ولا يدفعهم إلى الابتعاد عن حقولهم ومصادر رزقهم".

موسم قطاف الزيتون جنوبي لبنان... عودة إلى الحقول رغم آثار الحرب
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ويؤكد حرب أن "هذه الأراضي تعود إلى أبنائها، وأنهم لن يتخلوا عنها"، معتبرًا أن كل شبر يفقدونه سيبقى موضع تمسك وسعي لاستعادته. ويشبه علاقة الأهالي بالأرض بعلاقة أشجار الزيتون بالتربة، حيث تتجذر الأشجار وتنمو، كما يتمسك أبناء الجنوب بأرضهم ويواصلون البقاء فيها".
وبين تعب القطاف وفرحة اللقاء، يحمل موسم الزيتون في جنوب لبنان هذا العام حكايات عن الأرض والذاكرة والفقد، وعن عائلات تواصل اجتماعها السنوي رغم ما خلفته الحرب من خسائر، وفي الحقول التي يستطيع أصحابها الوصول إليها، يستمر جني المحصول، فيما يبقى غياب المواسم عن الأراضي التي يتعذر الوصول إليها وجها آخر من وجوه تداعيات الحرب على حياة أبناء الجنوب وأرزاقهم.
