مصر والسعودية... هل ينقل التفويض البرلماني العلاقات الدفاعية إلى مرحلة جديدة؟
19:01 GMT 26.10.2026 (تم التحديث: 19:13 GMT 26.10.2026)

© AP Photo
تابعنا عبر
حصري
تتجه العلاقات المصرية السعودية إلى مرحلة جديدة من التنسيق السياسي والدفاعي، في ظل تصاعد التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، وتزايد أهمية حماية الأمن القومي العربي والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
ويثير التفويض البرلماني المصري المتعلق باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها تساؤلات بشأن طبيعة الدور المصري وحدوده، والآليات التي يمكن أن تعتمد عليها القاهرة في ترجمة هذا التوجه إلى خطوات عملية، في ضوء الاعتبارات الدستورية والحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالأزمة.
وفي هذا السياق، يربط خبراء ومحللون بين التحرك المصري وطبيعة العلاقات التاريخية بين القاهرة والرياض، وما يفرضه التعاون بين البلدين من اعتبارات أمنية وسياسية، فضلا عن التداعيات المحتملة لأي تصعيد إقليمي على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وبينما يؤكد بعض الخبراء أن التحرك المصري يأتي في إطار دعم القدرات الدفاعية السعودية وتفعيل آليات التعاون العربي المشترك، يشير آخرون إلى أن أي انخراط في تطورات الصراع الإقليمي يظل مرتبطا بحسابات دقيقة، تشمل تجارب مصر السابقة في اليمن، وتوازنات القوة، وطبيعة التهديدات التي تواجه المصالح المصرية والعربية.
رؤية جماعية
يقول الدكتور نبيل نجم الدين، الكاتب المتخصص في العلاقات الدولية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إنه يجب توضيح الحقائق المتعلقة بموقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد إعلانه اتجاه مصر إلى الوقوف مع المملكة العربية السعودية، إذ حرص على ألا يكون هذا الأمر قرارا فرديا، وإنما قرارا يلتزم بالدستور المصري، الذي تنص مادته 152 على ضرورة موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على أي إجراء يتعلق بإرسال قوات مسلحة مصرية إلى خارج البلاد.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن ما حدث يرتبط بالجلسات التي عقدها المجلس أيام 18 و19 و26 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث فوض مجلس النواب الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداء خارجي.
وأكد نجم الدين، أن هذا التفويض واضح، وأن الاتجاه المصري دفاعي.
وأضاف نجم الدين أن الإجراءات التي ستتخذها مصر تستهدف دعم دفاعات المملكة العربية السعودية في ما يتعلق بثلاثة أمور، هي الأرض والسيادة والمقدسات.
وشدد على ضرورة توضيح أن القوات المصرية أو المساعدات المصرية للمملكة في هذا الإطار ليست هجومية، وإنما تتمثل في مساعدات تكنولوجية وإلكترونية وعسكرية لدعم القدرات السعودية على الدفاع عن الأرض والسيادة والمقدسات.
واستطرد قائلا إن ما تمت الموافقة عليه في مجلس النواب ليس اتفاقية، بل تفويض من السلطة التشريعية المصرية للرئيس، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، للتنسيق مع السلطات السعودية في مجالات الدفاع عن المملكة وأرضها وسيادتها ومقدساتها.
الأهداف الحقيقية
وأشار عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية إلى أن الوضع الحالي يختلف عما سبقه؛ ففي ستينيات القرن الماضي، كان قرار دخول القوات المصرية إلى اليمن قرارا فرديا لم يخضع للنقاشات الدستورية ذاتها. أما مشاركة مصر في حرب الكويت، فجاءت وفق اتفاقات في إطار جامعة الدول العربية، ولم تكن أيضا قرارا فرديا.
وأوضح نجم الدين أن التوجه المصري لدعم المملكة العربية السعودية يمثل، في روحه وجوهره، تفعِيلا لاتفاقات الدفاع المشترك المنصوص عليها في إطار جامعة الدول العربية، معتبرا أن هناك من يحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، ويتجاوز في تفسيره حدود ما يحدث فعليا.
ونوه بأن تفويض مجلس النواب للرئيس يهدف إلى التنسيق بين البلدين، مشيرا إلى أن الرئيس السيسي يمتلك، بموجب التفويض البرلماني، الصلاحية اللازمة للتنسيق مع المملكة العربية السعودية.
وأضاف أن مصر تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه الدول العربية، معتبرا أن المملكة العربية السعودية من الدول التي حظيت بالدعم المصري على مدى أكثر من ثمانية عقود.
وأكد نجم الدين أن السعودية ومصر تمثلان جناحي الطائر العربي والإسلامي، معربا عن سعادته بتقارب قيادتي الرياض والقاهرة، ومشيرا إلى أن البلدين يستطيعان القيام بالكثير في حال تعزيز التنسيق بينهما.
"مسافة السكة"
من جانبه، يقول الدكتور فتحي العفيفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ووكيل كلية الدراسات الآسيوية العليا للدراسات العليا والبحوث بجامعة الزقازيق المصرية، إن مصر لم تتخل عن عقيدة الاتزان الاستراتيجي والصبر والغموض البناء والكمون التكتيكي، وهي مفاهيم يرى أنها شكلت جزءا من فلسفة الحكم التي التزمت بها القيادة السياسية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، ولا تزال حاضرة في عملية صنع القرار المصري.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن مسألة "مسافة السكة"، التي أعلنها الرئيس السيسي، كانت إشارة إلى الارتباط الوثيق بين الأمن القومي المصري والخليجي، معتبرا أن هذا التوجه دخل حيز التنفيذ الفعلي، وأن الانتقادات التي كانت توجه إلى هذه الفرضية قد تراجعت، بحسب تقديره.
وأشار العفيفي إلى أن التدخل المصري مجددا في سياق الحرب الدائرة بين السعودية وجماعة "أنصار الله" يمثل، بحسب وصفه، اضطرارا تاريخيا تلجأ إليه الدول عندما تضيق الخيارات أمامها، ولا يعود لديها متسع للاختيار بين البدائل الأفضل والمفضلة.
وأوضح أن لهذا الاضطرار أكثر من دلالة، من بينها وجود مصلحة مصرية مباشرة في الدفاع عن أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
واستطرد قائلا إن التحرك المصري يمثل، من وجهة نظره، تنفيذا لالتزام أدبي وسياسي وأخلاقي، في ضوء وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب الدولة المصرية في مواجهة التطرف والإرهاب وتحديات البناء بعد ثورة يونيو/حزيران 2013، مستشهدا باللقاء الذي جمع الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس عبد الفتاح السيسي على متن الطائرة، وما أعقبه من تطورات في العلاقات بين البلدين.
العقيدة المصرية
وأوضح الأكاديمي المصري أن الصبر الاستراتيجي المصري حيال استفزازات الحوثيين قد نفد، بحسب قوله، مشيرا إلى أن من الثوابت التي يراها حاضرة في السياسة المصرية عدم القبول بوجود فواعل مسلحة من غير الدول في عدد من الدول العربية، ومؤكدا أن مصر تدعم الدولة الوطنية، وليس الفواعل المسلحة من غير الدول.
ولفت العفيفي إلى أن الخطوة المصرية التي أقرها البرلمان تواجه محاذير وانتقادات من جانب المعارضة وبعض التيارات السياسية، على خلفية ارتباط التدخل في اليمن بالتجربة التاريخية المريرة التي عاشتها مصر خلال حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي، وما ترتب عليها من تداعيات إقليمية، من بينها العدوان الإسرائيلي عام 1967.
وختم بالقول إن بعض القيادات في القوات المسلحة المصرية كانت تؤكد أن "جيش مصر للدفاع عن مصر"، وإن هذه الرؤية لا تجد نفسها مضطرة إلى القبول بالتدخل الخارجي، لكنه أشار إلى أن تغير الظروف وما وصفه بالقوة القاهرة دفعا القيادة السياسية إلى الإقدام على هذه الخطوة، بعد الرجوع إلى مجلس الدفاع الوطني والبرلمان المصري.
ووافق مجلس النواب المصري، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي في اتخاذ ما يلزم من إجراءات للدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية وشعبها، والتنسيق بين البلدين للدفاع عن أراضيهما وسيادتهما ومقدساتهما ضد أي اعتداءات خارجية.
وأوضح المجلس، في بيان بشأن جلساته السرية المنعقدة أيام 18 و19 و26 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أن المناقشات جاءت بناء على طلب من رئيس الجمهورية، وفي ضوء التطورات الإقليمية الراهنة وتداعياتها على الأمن القومي المصري والعربي.
وأشار البيان إلى أن الجلسات شهدت مشاركة عدد كبير من النواب من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية والمستقلين، لعرض آرائهم بشأن مستجدات الأوضاع في المنطقة.
وأكد مجلس النواب أن قراره يأتي وفقا لما توافق عليه مجلس الدفاع الوطني خلال اجتماعه المنعقد في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في إطار التنسيق بين مصر والسعودية لمواجهة أي اعتداءات خارجية.
وتشهد غالبية مناطق اليمن تصعيدا عسكريا بين الحكومة اليمنية وجماعة "أنصار الله"، بعد إعلان الجماعة، في 13 يوليو/تموز الماضي، إنهاء مرحلة خفض التصعيد السارية في البلاد منذ أواخر عام 2022، إثر غارات جوية استهدفت مطار صنعاء الدولي قبيل هبوط طائرة إيرانية قادمة من طهران، تقل وفدا تابعا للجماعة، قبل أن تهبط لاحقا في مطار الحديدة الدولي غربي اليمن.
وتسيطر جماعة "أنصار الله" منذ سبتمبر/أيلول 2014 على غالبية المحافظات في وسط اليمن وشماله، بينها العاصمة صنعاء، فيما أطلق تحالف عربي بقيادة السعودية، في 26 مارس/آذار 2015، عمليات عسكرية دعما للجيش اليمني بهدف استعادة تلك المناطق من سيطرة الجماعة.


