تغيير قيادة المصرف المركزي الليبي... هل تنهي السياسات الجديدة أزمات الاقتصاد أم تعيد إنتاج الخلافات؟

© Sputnik . MAHER ALSHAERY
تابعنا عبر
حصري
في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها ليبيا، وما تفرضه من ضغوط على السياسة النقدية واستقرار سعر الصرف، يفتح تعيين محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي الباب أمام مرحلة جديدة من التساؤلات بشأن مستقبل إدارة المؤسسة النقدية الأهم في البلاد.
وبين خلفيات هذا التغيير والاعتبارات السياسية والاقتصادية المحيطة به، تتجه الأنظار إلى طبيعة السياسات التي قد يتبناها المحافظ الجديد، ومدى قدرته على معالجة الاختلالات المالية، وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي، والحد من تداعيات الأزمات النقدية على معيشة المواطنين.
وفي السياق، قال الباحث الاقتصادي، خالد بوزعكوك، لـ"سبوتنيك": "أبرز الأسباب التي أدت إلى تغيير محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق ناجي عيسى، تعود إلى سوء إدارة المصرف، وغياب سياسة نقدية واضحة، إلى جانب وجود اختلالات وارتباك في إدارة أحد أهم الأجسام المالية في الدولة".
وبيَن أن "التصريحات التي كانت تصدر عن إدارة المصرف لم تكن تعكس واقع الأداء الفعلي، ما انعكس سلباً على قيمة الدينار الليبي"، وأضاف: "المصرف المركزي، باعتباره أعلى جهة رقابية على بقية المصارف، شهد تراجعاً ملحوظاً في دوره الرقابي، في ظل تزايد حالات الاختلاس والتلاعب بالبيانات المالية والتعدي على أرصدة المصارف، التي وصلت في بعض الحالات إلى مئات الملايين، الأمر الذي يعكس وجود خلل واضح في منظومة الرقابة والمتابعة".
وأوضح أن "منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي يرتبط باعتماد توقيعه لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية الكبرى، وبالتالي فإن أي فراغ إداري أو طعن في شرعية المحافظ قد يترتب عليه تجميد بعض المعاملات وتأخر فتح الاعتمادات المستندية، بما ينعكس سلباً على استقرار سعر الصرف والنظام المالي للدولة".
وأشار إلى أن "هذه الإشكالية جرى تجاوزها عقب أداء المحافظ الجديد فوزي بوخزام اليمين القانونية أمام مجلس النواب، وهو ما يمنحه شرعية محلية ودولية، يمكن أن تنعكس إيجاباً على استقرار سعر الصرف والمساهمة في معالجة أزمة السيولة".
وحول أبرز الملفات والتحديات التي تنتظر المحافظ الجديد، أكد بوزعكوك أنها "تتمثل في ضبط الإنفاق العام، واعتماد ميزانية موحدة ممولة دون عجز، وتشديد الرقابة على الاعتمادات المستندية باعتبارها من أبرز أبواب الفساد وإهدار النقد الأجنبي".
وشدد على "ضرورة العمل على خفض معدلات التضخم، وتعزيز القوة الشرائية للدينار الليبي التي شهدت تآكلاً خلال السنوات الماضية، فضلاً عن المحافظة على الاحتياطي العام للدولة من العملات الأجنبية والذهب، بما يضمن تعزيز الاستقرار النقدي والمالي في البلاد".
تأثيرات مستمرة
من جانبه، قال المحلل السياسي عبدالله الديباني لـ"سبوتنيك": "ملف تعيين محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة التوازنات السياسية المعقدة والصراعات المستمرة بين الأطراف المتنازعة على السلطة في البلاد"، مشيراً إلى أن "المصرف المركزي تحول خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز ساحات الصراع المالي والسياسي، باعتباره المؤسسة الوحيدة المخولة بإدارة عائدات النفط والتحكم في العملة الأجنبية والاحتياطيات الدولية".
وأضاف الديباني: "التغييرات المتعاقبة في هذا المنصب السيادي الحساس تؤكد أن اختيار المحافظ لا يستند بالضرورة إلى المعايير المصرفية والفنية وحدها، بل يأتي في كثير من الأحيان نتيجة تفاهمات وصفقات وموازين قوى بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب مراكز النفوذ الأخرى"، موضحاً أن "كل تغيير على رأس المصرف المركزي يعكس، في جانب منه، إعادة توزيع للنفوذ والمكاسب المرتبطة بالثروة النفطية، في ظل ضغوط محلية ودولية متزايدة".
ولفت إلى أن "تزامن الأزمات المصرفية مع إغلاق حقول النفط أو تراجع إيراداته يجعل التغيير في هذا المنصب أقرب إلى محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية وامتصاص الغضب الشعبي وتهدئة التوترات السياسية، أكثر من كونه خطوة إصلاحية مؤسسية جذرية".
وأوضح المحلل السياسي أن "توافق الهيئات التشريعية والرقابية على تسمية محافظ جديد قد يمنح المؤسسة هدنة مؤقتة، ويسهم في تخفيف حدة الاحتقان بين الشرق والغرب، لكنه لا يعني بالضرورة معالجة جذور الخلافات السياسية، بل قد يفتح المجال أمام تجاذبات جديدة، سواء بصورة معلنة أو غير مباشرة، بشأن إدارة المصرف المركزي وصلاحيات مجلس إدارته".
وأشار إلى أن "الأطراف السياسية تسعى، كل وفق حساباتها، إلى ضمان نفوذها داخل الإدارة الجديدة أو التأثير في توجهات السياسة النقدية بما يخدم أجنداتها، الأمر الذي يضع المحافظ الجديد أمام معادلة صعبة بين الاستجابة لمطالب القوى التي ساهمت في وصوله إلى المنصب، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لاستمرار عمل الاقتصاد الوطني".
وأكد الديباني أن "هذه التجاذبات تنعكس بصورة مباشرة على مسار توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية في ليبيا"، موضحاً أن "اختيار المحافظ وفقاً لتفاهمات المحاصصة السياسية يجعل فرص توحيد الميزانية العامة وتعزيز الرقابة على الإنفاق الحكومي عرضة للتعثر والانتكاس عند تجدد الخلافات بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات الرقابية".
واعتبر أن "الاختبار الحقيقي أمام المحافظ الجديد يتمثل في قدرته على الحفاظ على استقلالية المصرف المركزي وإبعاد قراراته النقدية عن التجاذبات السياسية، وهو ما يتطلب قوة مؤسسية وقدرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، تحول دون توظيف السياسة النقدية لخدمة المصالح السياسية".
وأكد الديباني أن "هشاشة البيئة السياسية في ليبيا تجعل تحقيق الاستقلالية الفعلية للمصرف المركزي أمراً بالغ الصعوبة، في ظل غياب مظلة دستورية وقانونية تحمي قياداته من الضغوط والإقصاء، الأمر الذي يبقي السياسة النقدية رهينة للتجاذبات اليومية، إلى حين التوصل إلى مسار سياسي مستقر يفصل إدارة الاقتصاد عن صراعات الحكم والسلطة".




