يبدو أن فرحة الانتصار التي أعلن عنها الأمين العام للمنظمة الشغيلة نور الدين الطبوبي منذ أيام لم تدم طويلا، حيث أعلن اتحاد الشغل ليلة أمس أن جلسة الحوار رفعت دون التوصل إلى نتيجة، في وقت كان من المفترض أن يتم فيه الإعلان عن الخروج باتفاق نهائي بين الطرفين.
وكان الناطق الرسمي باسم الحكومة نصر الدين النصيبي قد أعلن أمس عن توصل الحكومة إلى اتفاق مع الاتحاد العام التونسي للشغل حول غالبية النقاط المطروحة على طاولة المفاوضات، باستثناء نقطة يتيمة وهي نسبة الزيادة في الأجور.
وفي الأثناء، كشفت الجهات النقابية أن الحكومة قدمت مقترحات جديدة إلى الاتحاد لم يقع التفاوض بشأنها في وقت سابق، وهو ما أفضى إلى رفع الجلسة دون التوصل إلى حل.
خلاف حول الزيادة في الأجور
وأكد الصحفي في جريدة الشعب التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية في البلاد)، صبري الزغيدي، لـ"سبوتنيك"، أن جلسة حوارية جديدة تجمع حاليا بين الحكومة والمنظمة الشغيلة، مشيرا إلى وجود أكثر من نقطة خلافية تعطل التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين.
وتابع: "إلى حد اللحظة يتواصل الجدل بين الأطراف النقابية والحكومية المتفاوضة بشأن صياغة محضر الاتفاق الأخير، إذ هناك خلاف حول النسبة الجديدة للزيادة في الأجور في القطاع العام والوظيفة العمومية التي اقترحتها الحكومة على الاتحاد وكيفية صرفها على امتداد السنوات 2023 و2024 و2025".
وبيّن الزغيدي أن اتحاد الشغل اقترح زيادة بـ 5% في أجور الموظفين، ولكن الحكومة اقترحت نسبة 3.5%، معتبرا أن هذه النسبة غير كافية لدعم المقدرة الشرائية للأجراء التي تراجعت بنسبة تفوق 40 بالمائة في ظل الارتفاع المهول للأسعار وخاصة أسعار المواد الأساسية.
واستمر: "من الواضح أن الأزمة التي تعيشها البلاد ستتحملها الطبقات المفقرة والطبقة الوسطى والأجراء (موظفو القطاع العام)، وهذه النسبة التي تقترحها الحكومة غير قادرة على ترميم مقدرتهم الشرائية".
ونفى الزغيدي حديث الناطق الرسمي باسم الحكومة عن وجود نقطة خلافية واحدة بين الطرفين، مشيرا إلى وجود مسائل أخرى عالقة من بينها الترفيع في الحد الأدنى المضمون وإلغاء المساهمة التضامنية الاجتماعية التي يتم اقتطاعها من أجور الموظفين، وطريقة تطبيق اتفاق 6 فبراير/شباط الماضي.
الإضراب فرضية مطروحة وبقوة
ولفت الزغيدي إلى أن المفاوضات مفتوحة على جميع السيناريوهات، إما التوصل إلى حل يرضي الطرفين ويفضي إلى تنقية المناخ الاجتماعي، أو تواصل الخلاف واتخاذ الاتحاد طرقا نضالية.
وأشار المتحدث إلى أن المنظمة الشغيلة سبق وأن أقرت مبدأ الاضراب العام في الوظيفة العمومية والقطاع العام، ولكنها لم تحدد موعده ومدته حتى تترك المجال للحوار مع الطرف الحكومي.
وأضاف: "الأصل في الأشياء بالنسبة لاتحاد الشغل هو الحوار، ولكن شرط أن يكون حوارا جديا ومسؤولا وأفقيا وأن يفضي إلى مخرجات تطبق فيما بعد. وإذا لم يجد الاتحاد من الحكومة تجاوبا مع المطالب التي هي في الأصل مطالب مشروعة وليست تعجيزية وتصورات جدية لإصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فإنه سيجد نفسه مضطرا ومجبرا على خوض النضالات المشروعة دفاعا عن منظوريه ودفاعا عن شريحة واسعة من المجتمع التونسي وذلك بتفعيل برقية التنبيه بالإضراب وتحديد موعده".
وكان الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري قد دوّن على صفحته الرسمية قائلا: "صندوق النقد وراء الباب"، في إشارة إلى وجود ضغوطات من الصندوق لمنع الترفيع في أجور الموظفين.
وعلّق الزغيدي: "الاتحاد لا يرفض التفاوض مع صندوق النقد الدولي ولكنه يرفض الشروط التي يضعها، وعلى رأسها تجميد الأجور وإيقاف الانتدابات في الوظيفة العمومية ورفع الدعم تدريجيا والتفويت في مؤسسات القطاع العام لفائدة القطاع الخاص".
وقال: "على الحكومة أن تقتنع بأن الحل لتجاوز الأزمة الاقتصادية وإنعاش المالية العمومية يمكن أن يكون بأيادي تونسية وأن يكون الإصلاح تونسيا صرفا، كما يجب عليها أن تتعامل مع صندوق النقد الدولي من منطلق الند للند وليس بشكل تخضع فيه لشروط واملاءات أثبتت فشلها في تونس في السنوات السابقة وكانت خرابا على الاقتصاد الوطني".
وذكر الزغيدي أن الاتحاد العام التونسي للشغل قدم جملة من المقترحات والتصورات والبدائل بشأن الاصلاحات الكبرى والضرورية لإنعاش المالية العمومية ومنها مسألة حل معضلة مسالك التوزيع التجارية ومقاومة الاحتكار.
وأضاف: "يجب على السلطة حكومة ورئاسة أن تقتنع بأن المسار الاصلاحي لا يكون إلا تشاركيا وليس بشكل فرادي وأن تقطع مع استنساخ السياسات السابقة التي أفضت بحركة النهضة وبالرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى نتائج وخيمة".
اتفاق مرتقب رغم الخلافات
وفي تعليق على الموضوع، توقّع القيادي في حركة الشعب علي بن عون أن تفضي المفاوضات بين الطرفين الحكومي والنقابي إلى التوصل إلى اتفاق يرضي الجانبين رغم ما يحيط بها من صعوبات وخلافات.
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك": "من الطبيعي أن ينطلق الوفد المفاوض ممثلا في اتحاد الشغل بسقف مطالب عالية حتى يتمكن من اقتلاع حقوق منظوريه من الأجراء والعمال، وبدوره سيسعى الطرف الحكومي إلى التخفيض من الكلفة المالية لهذه المطالب في ظل الظرف الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد وتعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ونقص الموارد المالية وتعطل مصادر الإنتاج الكبرى وخاصة إنتاج الفوسفات في الحوض المنجمي".
وأشار بن عون إلى أن تعنت الحكومة في الاستجابة لمطالب اتحاد الشغل بشكل سريع يعود بالأساس إلى محاولات إرضاء صندوق النقد الدولي، مضيفا "توصل الحكومة إلى اتفاق مع الاتحاد بشأن الزيادة في أجور الموظفين سيؤدي إلى تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي ومنع الإضراب المرتقب في القطاع العام والوظيفة العمومية، ولكنه سيفضي في المقابل إلى تعطيل المفاوضات مع الصندوق الذي يشترط خفض كتلة الأجور ورفع الدعم وتوجيهه إلى مستحقيه".
وختم بالقول: "الحل الوحيد هو أن يقدم كل طرف تنازلات تراعي الظرفية الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وهي مسألة تم النقاش حولها خلال اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد برؤساء المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف".