تقرير ديوان المحاسبة الليبي 2024.. الفساد مستمر والقيم تتصاعد

يكشف تقرير ديوان المحاسبة الليبي لعام 2024 صورة قاتمة لواقع الادارة والانفاق العام في البلاد، إذ يؤكد استمرار قنوات الفساد ذاتها التي رصدتها التقارير السابقة، مع تسجيل ارتفاع لافت في حجم القيم المالية المرتبطة بالمخالفات.
Sputnik
ويسلط التقرير، الذي شمل قطاعات ومؤسسات حيوية، الضوء على اختلاسات مالية وتجاوزات إدارية ممنهجة، كان أبرزها في قطاع النفط ووزارة الداخلية، في وقت تعاني فيه ليبيا من تراجع الايرادات، وتداعيات اقتصادية مباشرة تمس معيشة المواطنين واستقرار الاقتصاد الوطني.
وفي معرض حديثه عن التقرير، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 لم يختلف كثيرا عن التقرير السابق، إذ سجّل تقريبا نفس قنوات الفساد"، مشيرا إلى أن "ما تغير هذا العام هو القيم المالية، بينما لا تزال قنوات الفساد نفسها منذ عدة سنوات".
وأضاف الفضيل أن "أبرز ما وُرد في التقرير يتمثل في استمرار الضوابط ذاتها، التي تظهر في كل التقارير السابقة من اختلاسات مالية وتجاوزات إدارية وغيرها"، مبينا أن "الملفت في تقرير هذا العام هو حجم التجاوزات المالية والإدارية المسجلة في قطاع النفط ووزارة الداخلية"، مؤكدا أنه "لا تكاد تخلو أي مؤسسة من مظاهر فساد، سواء كان ماليا او إداريا".
وفيما يتعلق بالمؤسسة الوطنية للنفط، أوضح الفضيل أن "القيم الاكبر للتجاوزات كانت داخل هذه المؤسسة، الأمر الذي انعكس سلبا على الاقتصاد الليبي وقطاع النفط بشكل خاص"، وأشار إلى أن "قطاع النفط كان له نصيب الاسد من التجاوزات، إذ تم تسجيل عمليات تهريب للنفط الخام، وهي سابقة خطيرة إلى جانب بيع النفط لشركات بأسعار مخفضة مقارنة بالسعر العالمي، ووفق التقرير تم البيع لأطراف غير قانونية".
كما لفت إلى أن "المؤسسة الوطنية للنفط خصصت ما يقارب نصف مليار دينار تم تحويلها إلى شركة البحر الابيض المتوسط لإنشاء مبان ومراكز خدمات فنية في بنغازي، رغم عدم وجود أراض مخصصة لتنفيذ هذه المشاريع، ما يعزز شبهات الاختلاسات المالية".
المؤسسة الوطنية الليبية للنفط تحقق رقما قياسيا في إنتاج النفط الخام خلال 10 سنوات
وأضاف أن "التقرير تطرق كذلك إلى التلاعب في عقود التصدير وملف مقايدة النفط بالمحروقات، وهو ملف حساس خلال عام 2024، إذ تجاوزت قيمة هذه العمليات 9.2 مليار دولار، إلى جانب تسجيل شبهات تتعلق بدور الشركات الوسيطة في عمليات التصدير".
وأكد الفضيل أن "التركيز على قطاع النفط يعود إلى أن حجم الفساد فيه يفوق تأثيره حتى على إجمالي الإيرادات"، لافتا إلى أن "انخفاض الإيرادات خلال عام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، دفع إلى البحث عن الأسباب الحقيقية، وهو ما كشف التقرير جانبا مهما منه داخل المؤسسة الوطنية للنفط".
وفيما يخص وزارة الداخلية، أشار التقرير إلى تسجيل العديد من التجاوزات، من بينها نفقات تم صرفها كعهد مالية دون مستندات تجاوزت 21 مليون دينار، إلى جانب شراء سيارات بمبالغ كبيرة، إذ تجاوزت قيمة ما تم انفاقه 161 مليون دينار خلال عام 2024 فقط، فضلا عن تجاوزات مالية وإدارية أخرى".
وتابع أن التقرير سجّل تجاوزات داخل وزارة الخارجية، من بينها ارتفاع اعداد العاملين في السفارات والملحقيات خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، وبحسب القراءة العامة للتقرير، فإنه لا تكاد تخلو اي مؤسسة عامة من مظاهر فساد إداري أو مالي، ما يقود إلى خلاصة مفادها ان أن الوضع الطبيعي أصبح هو الاستثناء، الأمر الذي انعكس اقتصاديا في تراجع الإيرادات وارتفاع المستوى العام للأسعار، وتراجع قيمة الدينار الليبي، وبناءا عليه يمكن القول إن العدو الاكبر للاقتصاد الليبي في المرحلة الراهنة هو الفساد الممنهج داخل مؤسسات الدولة.

ويرى عبد الحميد الفضيل، أن "ما ورد في تقارير ديوان المحاسبة للسنوات 2022 و2023 و2024 يعد نتيجة طبيعية لموقع ليبيا ضمن اكثر 10 دول فسادا في العالم، بحسب مؤشر مدركات الفساد، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية"، مؤكدا أن "ما كشفه التقرير لا يمثل سوى ما بين 30 إلى 40% من حجم التجاوزات الحقيقية، وبناءا على ذلك أوصي بضرورة ضمان استقلالية الجهات الرقابية، بما فيها ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد، حتى تتمكن من أداء مهامها دون تدخل من أطراف حكومية أو عسكرية".

كما شدد الفضيل على "أهمية التحول نحو الإدارة الإلكترونية، لتعزيز الرقابة والشفافية، في ظل تخلف ليبيا في هذا المجال"، وفق قوله.
ليبيا بين الجمود السياسي والتدخلات الخارجية... حوارات بلا نتائج وأزمة بلا أفق
وأكد الفضيل أن "غياب الردع القضائي ساهم في تفشي الفساد لسنوات"، محذرا من أن "استمرار الإفلات من العقاب قد يجعل تقارير السنوات القادمة أكثر سوءا"، داعيا كذلك إلى "الاستفادة من خبرات المنظمات الدولية المختصة بمكافحة الفساد، وفي مقدمتها منظمة الشفافية الدولية، بما يسهم في اكتشاف التجاوزات مبكرا".
كما اعتبر أن "توحيد المؤسسات إنهاء للانقسام السياسي القائم منذ عام 2014 خطوة أساسية للحد من تغول الفساد"، مشيرا إلى أن "الفساد لا يقتصر على جهة دون أخرى، بل هو موجود في المؤسسات التابعة لحكومتي الانقسام".
وخلص إلى أن "المحاصصة الجهوية والقبلية في اختيار القيادات بعيدا عن معايير الكفاءة، كانت سببا رئيسيا في تفشي الفساد"، مؤكدا أن "اختيار المسؤولين على أسس غير علمية يقود بالضرورة إلى هذه النتائج".
مناقشة