بطلات أمريكا اللاتينية اللواتي رسمن مسار الحرية والاستقلال من الاستعمار
قاتلت النساء في الكفاح من أجل استقلال أمريكا اللاتينية، جنبًا إلى جنب مع الرجال، حيث حفرت أسماءهن ومآثرهن في ذاكرة شعوب المنطقة، وعلى الرغم من أنهن غالبًا ما ظللن في الظل، إلا أنهن شكلن تاريخًا من الشجاعة.
Sputnikينشر فريق تحرير وكالة "سبوتنيك" نبذة تاريخية عن بعض هؤلاء النساء الذين رسمن مع الرجال تاريخ القارة في النضال ضد الاستعمار.
"المقاتلة الأولى" في فنزويلا
كيف تشكّل المسار السياسي لسيليا فلوريس، زوجة الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو)؟
في هذه الأيام، لا ينصبّ اهتمام العالم على مصير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي اختطفه عسكريون تابعون للولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا على شريكة حياته الشجاعة، التي قررت أن تتقاسم مع زوجها كل أعباء الملاحقة الأمريكية وتداعياتها.
وُلدت سيليا فلوريس في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1956 في مدينة تيناكيّو شمالي البلاد، وحصلت على تعليم قانوني تخصصت خلاله في القانون الجنائي وقانون العمل.
في عام 1992، تولّت الدفاع عن عسكريين شاركوا في محاولة التمرد المسلح الفاشلة ضد الرئيس النيوليبرالي كارلوس أندريس بيريز، وكان من بين قادة ذلك التمرد الرئيس الراحل هوغو تشافيز.
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومع انخراطها المهني في العمل السياسي، تحولت إلى واحدة من أبرز الشخصيات المحورية في التيار البوليفاري في فنزويلا المعاصرة، وكانت من أقرب المقربين إلى هوغو تشافيز.
تزوجت من نيكولاس مادورو، وأصبحت رسميًا السيدة الأولى للبلاد عام 2013، لكنها تفضّل أن يُطلق عليها لقب "المقاتلة الأولى" بدلًا من "السيدة الأولى".
مقاتلة.. زوجة وفية وامرأة إنسانية
انتشرت في أنحاء العالم صور لسيليا فلوريس وهي تحمل بين ذراعيها الطفلة الفنزويلية مايكيليس إسبينوزا بيرنال، البالغة من العمر عامين، والتي أُعيدت من الولايات المتحدة بعد أن فصلتها السلطات الأمريكية قسرًا عن والدتها.
وعندما أقدم جنود أمريكيون، في 3 يناير/كانون الثاني، على احتجاز نيكولاس مادورو بهدف اختطافه ونقله إلى الولايات المتحدة بتهم وُصفت بالمفبركة تتعلق بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، تطوّعت سيليا فلوريس لمرافقة زوجها وتقاسم مصيره، قائلة: "إذا كنتم ستأخذونه، فخذوني معه أيضًا".
بارتولينا سيسا... "نائبة الملك" في ثورة السكان الأصليين
في نضال أمريكا اللاتينية من أجل الاستقلال، برزت نساء تحدّين القمع وحملن السلاح جنبا إلى جنب مع الرجال، تشكل أسماءهم ومآثرهم التي ظلت غالبا في الظل، قصة الشجاعة التي تتذكرها "سبوتنيك" اليوم، إذ تعد بارتولينا سيسا واحدة من أبرز تلك الشخصيات، بصفتها مدافعة شرسة عن استقلال وكرامة السكان الأصليين.
تُعد بارتولينا سيسا واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ نضال شعوب أمريكا اللاتينية من أجل الحرية والاستقلال. وعلى الرغم من أن التاريخ لم يحفظ تاريخا دقيقا لميلادها، فإن المؤرخين يرجحون أنه كان بين عامي 1750 و1753.
كانت سيسا شخصية محورية في مقاومة العنصرية الاستعمارية، وقادت، مع زوجها جوليان أباثا نينا، المعروف باسم توباك كاتاري، الثورة ضد الغزاة الذين استعبدوا السكان ونهبوا ثروات نيابة بيرو، التي كانت آنذاك معقلا للحكم الإسباني في القارة.
وفي عام 1781، أُقيم معسكر ضخم للسكان الأصليين في منطقة لا سيخا – إل ألتو، حيث جرى قطع الطرق المؤدية إلى مدينة لا باز، وحاصر أكثر من 80 ألف متمرد في المدينة.
قادت بارتولينا سيسا إحدى جبهات الحصار، وعندما علم الإسبان بقيادتها حاول الجيش الاستعماري فك الحصار، لكنه مُني بالهزيمة بفضل المقاومة الشرسة للسكان الأصليين.
وتعرضت سيسا للخيانة وأُسرت على يد الإسبان، الذين احتجزوها في السجن لمدة عام كامل قبل أن يُعدمُوها عام 1782، ورغم نهايتها المأساوية، بقي اسم بارتولينا سيسا حياً كرمز للشجاعة والتضحية في مواجهة الاستعمار، وتخليدا لذكراها، يحتفل، في الخامس من سبتمبر/أيلول، باليوم العالمي للمرأة الأصلية.
لويزا كاسيريس دي أريسمندي.. المرأة التي تحدت زنزانات المستعمرين الإسبان
لم تكن لويزا كاسيريس دي أريسمندي امرأة تحمل السلاح، لكنها جسدت بطولة نادرة في مسيرة نضال الشعب الفنزويلي من أجل الاستقلال، فرغم قسوة السجون الإسبانية، صمدت ولم تنكسر، لتبقى سيرتها حيّة في ذاكرة فنزويلا حتى اليوم.
ولدت لويزا في عائلة كريولية مثقفة عام 1799، قُتل والدها وشقيقها على يد الملكيين المعارضين لاستقلال فنزويلا، وفي عام 1814، لحقت بمصير زوجها الجنرال خوان باوتيستا أريسمندي، أحد أبرز قادة المقاومة ضد الاستعمار الإسباني.
غير أن سعادة الزوجين لم تدم طويلا، ففي عام 1815، وأثناء حملها، اعتقلتها السلطات الإسبانية سعيا لاستخدامها وسيلة ضغط على زوجها داخل السجن. عانت الجوع والحرمان وقسوة الظروف، وفقدت ابنتها بعد فترة قصيرة من ولادتها. ومع ذلك، لم تتراجع عن مبادئها، ولم تنجح محاولات الإسبان في انتزاع أي تنازل منها أو من زوجها.
وفي عام 1816، نقلت لويزا قسرا إلى إسبانيا، حيث واصلت رفضها التام للتخلي عن قناعاتها أو التوقيع على وثائق الولاء لملك إسبانيا، ما أدى إلى احتجازها في ظروف شديدة القسوة. وبعد معاناة طويلة، تمكنت أخيرًا من مغادرة إسبانيا عام 1818، لتعود إلى وطنها وتلتقي بزوجها من جديد.
بوليكاربا سالافارييتا.. بطلة التجسس في سبيل استقلال كولومبيا
تعد بوليكاربا سالافارييتا، واحدة من أبرز الرموز النسائية في تاريخ كولومبيا، فشجاعتها في النضال من أجل الاستقلال، ومقتلها المأساوي على يد الإسبان، جعلاها رمزا للمقاومة الصامدة ومصدر إلهام للاعتراف بنضال المرأة في كولومبيا.
لا يعرف الكثير عن حياتها، بما في ذلك غياب تاريخ دقيق لميلادها، ووجود شكوك حول اسمها الحقيقي، ومع ذلك، فقد صنعت التاريخ في كولومبيا لعملها الاستقصائي المتميز في بوغوتا.
عملت بوليكاربا سالافارييتا، المعروفة باسم "لا بولا"، في خدمة المقاتلين الوطنيين من أجل الاستقلال، مستغلة عملها كخياطة ومدبرة منزل للتسلل إلى منازل الملكيين والحصول على معلومات إلى الثوار المطالبين بالاستقلال.
وعملها الاستخباراتي، من توصيل الرسائل وتجنيد المؤيدين ودعم المجموعات الثورية، جعلها عنصرا أساسيا في النضال من أجل الاستقلال قبل أن يتم أسرها وإعدامها على يد الملكيين عام 1817.
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1817، أُعدمت بوليكاربا رميا بالرصاص في في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1817، أُعدمت بوليكاربا رميا بالرصاص في بوغوتا بأمر من السلطات الإسبانية. وكانت كلماتها الأخيرة:
"أيها الناس اللامبالون! كم كان مصيركم سيختلف لو أدركتم ثمن الحرية! لكن لم يفت الأوان بعد: انظروا، رغم أنني شابة، إلا أنني أملك الشجاعة لمواجهة الموت وألف موتة أخرى. لا تنسوا هذا المثال".
وتخليدا لإرثها، يحتفل بيوم المرأة الكولومبية في 14 نوفمبر.بأمر من السلطات الإسبانية.
ليونا فيكاريو.. الأم المحبوبة والمحترمة للمكسيك
وُلدت ليونا فيكاريو سنة 1789 في مدينة مكسيكو، لأسرةٍ تنتمي إلى أصولٍ إسبانية وكريولية، فكان والدها تاجرا إسبانيا، ووالدتها كريولية. فقدت والديها وهي في الثامنة عشرة من عمرها، فتولى عمها، وهو محام وعالم بارز في إسبانيا الجديدة، رعايتها والإشراف على تعليمها.
حصلت على تعليم واسع شمل الفنون الجميلة والعلوم، ونما لديها منذ الصغر شغف كبير بالقراءة، ما أسهم في صقل وعيها النقدي وترسيخ قناعاتها بأفكار الاستقلال. ومع مرور الزمن، وجهت هذا الوعي نحو العمل الصحفي، مستخدمةً قلمها للدفاع عن قناعاتها.
ومع اندلاع حرب الاستقلال، لعبت دورا فاعلا في صفوف الثوار، إذ قدمت من مدينة مكسيكو معلومات استراتيجية، إضافة إلى دعم مالي ومادي لأنصار الاستقلال، وكان لإسهاماتها أثر بالغ في مسار حركة التحرر.
في عام 1813، تزوجت بالمناضل أندريس كينتانا رو، الذي شاركها الإيمان بقضية الاستقلال وحب الوطن. وفي العام نفسه، أُلقي القبض عليها عقب كشف تورطها في مؤامرة ضد الحكم الاستعماري، لكنها تمكنت من الفرار ولجأت إلى ولاية أواكساكا.
ورغم العروض المتكررة بالعفو مقابل تخليها عن نشاطها السياسي، رفضت هي وزوجها تلك الشروط، وواصلا العمل سرا. لاحقا، انضمت إلى قوات القائد خوسيه ماريا موريلوس إي بافون، مواصلة نضالها من أجل حرية البلاد.
وفي عام 1817، وضعت مولودتها الأولى، غير أنها اعتقلت بعدها بوقت قصير مع ابنتها الرضيعة. وعرض عليها العفو مجددا، شريطة انتقالها إلى إسبانيا، فوافقت، لكنها بقيت محتجزة في سجن تولوكا بسبب ظروفها المالية الصعبة. وبعد صدور عفو رسمي عنها، أُعيدت إليها ممتلكاتها، وعادت إلى منزلها في مكسيكو سيتي، حيث وافتها المنية في 21 أغسطس/آب 1842 عن عمر 53 عاما.
وتقديرا لعطائها وتضحياتها، صدر مرسوم من الرئيس أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا، بإقامة جنازة رسمية لها، ومنحت لقب "الأم المحبوبة والمحترمة للوطن".
سيليا سانشيز... زهرة الثورة الكوبية الأصيلة
كانت هذه المرأة ذات المظهر الرقيق والإرادة الصلبة مقدرا لها أن تلعب دورا محوريا في الثورة الكوبية ونضال شعبها لتحريره من الديكتاتورية.
وُلدت عام 1920 في عائلة من الأطباء، فقدت والدتها في صغرها، وانطلقت مع والدها في مسيرتها السياسية، مدافعة عن الفقراء والمضطهدين.
منذ طفولتها، كانت شاهدة على الفقر المحيط بها، وانبهرت بأفكار الفيلسوف والثوري خوسيه مارتي، الذي يُعتبر "رسول الاستقلال الكوبي".
منذ أوائل الخمسينيات، شاركت في النضال السياسي ضد نظام فولغينسيو باتيستا، وكانت عضوا في حركة 26 يوليو /تموز الثورية.
أصبحت أول امرأة تنضم إلى جيش الثوار المقاتل ضد الديكتاتور، وشاركت في الهجوم على ثكنات إل أوفيرو، أول معركة كبرى للقوات الثورية.
وفي وقت لاحق، أشرفت على الاستعدادات لإنزال مجموعة من الثوار بقيادة فيدل كاسترو، على متن السفينة الشراعية الأسطورية "غرانما"، ثم نظمت، بالتعاون مع الثوري فرانك بايس، إرسال أولى التعزيزات إلى المقاتلين في جبال سييرا مايسترا.
وكتب الثوار في سييرا مايسترا: "أما بالنسبة لسييرا، عندما تكتب قصة هذه المرحلة من الثورة، يجب أن يظهر على الغلاف اسمان: ديفيد ونورما (أسماء مستعارة لفرانكو بايس، وسيليا سانشيز]".
بعد انتصار الثورة الكوبية، شغلت مناصب في مجلس الوزراء وفي هيئات مجلس الدولة الكوبي، كما كانت عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، وتوفيت عام 1980، وبعد عشر سنوات تم افتتاح متحفا في مسقط رأس سيليا سانشيز تكريما لها.