ويرى مراقبون أن هناك عدة أسباب ربما ساهمت في إلغاء أو تأجيل الضربة الأمريكية على إيران، في مقدمتها الضغوط الدولية والخليجية، والمخاوف المتزايدة من حصر طهران في الزاوية ودفعها نحو تنفيذ ضربات قوية ضد الأهداف الأمريكية في المنطقة.
وقال المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك وولتز، أمس الجمعة، إن واشنطن ما زالت تضع جميع خيارات التعامل مع إيران قيد البحث.
وأضاف وولتز، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي: "الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب رجل أفعال، وليس رجل محادثات لا تنتهي كما نراه في الأمم المتحدة. لقد أوضح بشكل جلي أن جميع الخيارات تبقى مطروحة على الطاولة من أجل وقف المذبحة، وعلى قيادة النظام الإيراني أن تدرك ذلك أكثر من أي طرف آخر".
تأجيل وليس إلغاء
قال الدكتور أحمد لاشين أستاذ الدراسات الإيرانية المصري، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتراجع عن مسألة ضرب إيران بل قام بتأجيل الضربة لوقت آخر.
وأكد في حديثه لـ "سبوتنيك" أن الأسباب حول ذلك متعلقة بمجموعة ضخمة من الوساطات الدولية التي بدأت تتحرك في إطار احتواء الأزمة وعلى رأسها الرئيس الروسي بوتين، ومحاولته التواصل مع نتنياهو ورئيس الجمهورية الإيراني في محاولة لاحتواء أي تصعيد للأزمة بين طهران وتل أبيب، إضافة إلى وساطات تمت عن طريق دول خليجية مثل قطر وعمان والسعودية.
وأكد الأكاديمي المصري أن كل هذه الأمور جعلت الرئيس ترامب يفكر بطريقة مختلفة فيما يعرض عليه، خاصة إذا كانت الضربة قد تضر المصالح الأمريكية في الخليج.
وأضاف أن ترامب يسعى لتجنب وضع النظام الإيراني أمام خيار "شمشون" الذي قد يضطر طهران إلى محاولة الرد القاسي على أمريكا من خلال استهداف مصالحها في المنطقة.
وقال لاشين: إن "الموقف الإسرائيلي يبدو أكثر وضوح من موقف ترامب، مشيرا إلى زيارة رئيس الموساد الإسرائيلي للولايات المتحدة ولقائه ويتكوف لمناقشة أزمة إيران وإمكانية تنفيذ ضربة عسكرية بشكل أو بآخر".
ويرى أن الرسالة التي تريد إسرائيل إرسالها إلى إيران بشكل دائم هي أن الضربة مؤجلة ولكن غير ملغية، فيما تحاول تل أبيب الاعتماد بشكل أساسي على واشنطن في أي عملية عسكرية قادمة، وتريد أن تتقدم الولايات المتحدة هذه المرة العملية العسكرية ضد إيران ثم تتبعها إسرائيل.
واعتبر الأكاديمي المصري أن هناك عنصرا هاما للغاية يتمثل في الرسائل الضمنية التي يحاول أن يرسلها النظام الإيراني إلى الإدارة الأمريكية حول إمكانية التفاوض في بعض الملفات.
ومضى قائلًا: "لم يتضح إلى الآن حجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها إيران لأمريكا أو الأهداف من عملية التفاوض الجديدة، خاصة أن المفاوضات السابقة فشلت بشكل كامل وانتهت بمعركة عسكرية، بيد أن طهران تريد حاليا كسب الوقت أمام الضغط الغربي والأمريكي المتزايد.
أسباب بنيوية وتكتيكية
من جانبه قال الدكتور حسن حيدر الأكاديمي والباحث المتخصص بالشأن الإيراني: إن "بداية 2026 اتسمت بتوتر غير مسبوق بعد أن رسم الرئيس ترامب خطا أحمر علنيا حذر فيه النظام الإيراني من الاستمرار في قمع المتظاهرين ملوحا بخيار الرد بالمثل عسكريا، مشيرًا إل أن هذا التهديد الذي بدا وشيكا سرعان ما تجمد لعدة أسباب بنيوية وتكتيكية".
وأضاف في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن التهديد بضرب إيران جاء في وقت كانت فيه القوات الأمريكية منخرطة بالفعل في عملية عسكرية واسعة في فنزويلا، بدأت في الثالث من يناير عام 2026 وشهدت اعتقال نيكولاس مادورو.
وأكد حيدر أن تمركز الثقل العسكري البحري والجوي في الكاريبي جعل من فتح جبهة ثانية واسعة في الشرق الأوسط مخاطرة لوجستية كبرى، حيث كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى فترة زمنية تقدر بعشرة أيام على الأقل لإعادة تموضع قطعها البحرية والجوية من الأطلسي إلى المحيط الهندي والخليج، لضمان استمرارية القتال وهو ما جعل التهديد يفتقر لصفة الجدية التنفيذية الفورية.
وقال إن حلفاء واشنطن الإقليميين في السعودية وقطر وعمان وتركيا لعبوا دورا حاسما في فرملة القرار، حيث نقلت تقارير موثوقة أن هذه الدول مارست ضغوطا مكثفة لإقناع ترامب بأن الضربة ستقوض أمن الطاقة العالمي، وستجعل من القواعد الأمريكية في المنطقة أهدافا سهلة للانتقام الإيراني.
وأضاف أن إسرائيل رغم دفعها نحو التصعيد أبدت مخاوف داخلية بشأن جاهزية دفاعاتها الجوية لاستيعاب وابل صواريخ منسق من جبهات متعددة تشمل إيران وحزب الله والحوثيين في آن واحد.
وأكد حيدر وجود تخوف استراتيجي لدى فريق ترامب من أن تؤدي الضربة الخارجية إلى تأثير عكسي يوحد الكتلة الصلبة من الشارع خلف النظام لمواجهة العدوان الخارجي، مما يجهض الزخم الثوري للاحتجاجات المطلبية.
وأضاف أن تقارير المخابرات أكدت غياب البديل السياسي الجاهز لقيادة المرحلة، وأن إسقاط النظام بضربات جوية هو وهم عسكري قد يؤدي لفوضى إقليمية شاملة وتدفق لملايين اللاجئين.
وأشار الباحث إلى أن زعم ترامب في مؤتمره الصحفي يوم الرابع عشر من يناير حول تلقي معلومات موثوقة تفيد بتوقف قتل المتظاهرين كان مخرجا دبلوماسيا للتراجع عن التهديد العسكري دون الظهور بمظهر الضعيف.
واعتبر أن فريق ترامب فضل في النهاية خيارات غير حركية مثل توفير خدمة ستارلينك للمتظاهرين لكسر تعتيم الإنترنت، وتشديد العقوبات الاقتصادية بدلا من المغامرة بحرب إقليمية قد ترفع أسعار النفط، وتؤثر على المصالح الانتخابية لترامب نفسه خاصة مع استمرار الانخراط العسكري في أمريكا اللاتينية.
ويرى حيدر أن تراجع ترامب كان نتاجا لواقعية سياسية فرضتها تخمة الجبهات المفتوحة وضغوط الحلفاء الذين يخشون الاحتراق بنيران الرد الإيراني، مشيرًا إلى أن الخيار العسكري تحول من ضربة وشيكة إلى أداة ضغط استعراضية تهدف لانتزاع تنازلات مع إبقاء التهديد قائما كخداع استراتيجي بانتظار تغير موازين القوى على الأرض.
تحذيرات قوية
وأفادت وسائل إعلام أمريكية، أمس الجمعة، بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلقى تحذيرات تفيد بأن توجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران من غير المرجح أن يؤدي إلى سقوط الحكومة هناك.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلًا عن مصادر في البيت الأبيض: "أبلغ مسؤولون أمريكيون وشركاء في الشرق الأوسط البيت الأبيض أن حملة قصف واسعة النطاق قد تُؤدي، على العكس من ذلك، إلى إشعال فتيل صراع أوسع نطاقًا".
وبحسب الصحيفة، فإن تنفيذ ضربات أصغر وأكثر دقة "لا يُنظر إليه داخل الولايات المتحدة على أنه وسيلة قادرة على تغيير سياسة السلطات الإيرانية في التعامل مع الاحتجاجات".
وأشارت المصادر إلى أن ترامب، من دون اتخاذ قرار نهائي، طلب ضمان توافر الموارد العسكرية اللازمة تحسبًا لإصداره أمرًا بشن هجوم واسع النطاق.
وكانت وسائل إعلام غربية قد ذكرت، في وقت سابق أن السعودية وقطر وسلطنة عُمان تحاول إقناع ترامب بعدم توجيه ضربات إلى إيران.
كما أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، نقلًا عن مصادر، بأن مسؤولين في دول عربية يرون أن التوتر في منطقة الخليج تراجع، بعدما أسهمت جهود دبلوماسية مكثفة في ثني ترامب عن توجيه ضربات لإيران ومنح مزيد من الوقت للمفاوضات.
من جانبها، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، نقلًا عن مصدر في الإدارة الأمريكية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب أيضًا من ترامب تأجيل أي خطط لشن هجوم عسكري على إيران.
وانطلقت الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، بسبب انخفاض قيمة التومان الإيراني، وتركزت بداية على التقلبات الحادة في سعر الصرف وتأثيرها على أسعار الجملة والتجزئة.
وحذر ترامب السلطات الإيرانية من عواقب وخيمة في حال قُتل المتظاهرون، فيما اتهم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل بتدبير الاضطرابات في الجمهورية الإسلامية.
وفي وقت سابق، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن بلاده تمتلك العديد من الأدلة على ضلوع الولايات المتحدة وإسرائيل في تحويل الاحتجاجات التي تشهدها إيران إلى أعمال عنف وشغب.
كما اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل باستقدام "إرهابيين" من الخارج لزعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى في البلاد.