سينما الصورة والموقف والأسئلة الكبرى.. خيط متين بين روسيا ويوسف شاهين في ذكرى مئويته

في ذكر مرور 100 عام على ميلاد المخرج المصري الشهير يوسف شاهين في 25 يناير/ كانون الثاني 1926، تبدو علاقته بروسيا جزءا أصيلا من مشروعه الأكبر، الذي يحمل عنوان: "سينما تسائل السلطة، تحتفي بالإنسان، وتؤمن بأن الفن الحقيقي لا يعيش داخل حدود ضيقة، بل في المسافة الحرة بين الثقافات".
Sputnik
القاهرة - سبوتنيك. لم تكن علاقة المخرج يوسف شاهين بروسيا مجرد تعاون إنتاجي، بل مسارا فكريا وجماليا، تشكل عند تقاطع السينما السوفيتية، والمشروع القومي المصري، وهواجس الحرية الفردية.

روسيا في وعي يوسف شاهين.. السينما بوصفها موقفا

منذ بداياته، كان شاهين مخرجا يبحث عن سينما تتجاوز الحكاية الفردية إلى الأسئلة الكبرى التي تشمل "التاريخ، السلطة، الجماعة، وموقع الإنسان داخل التحولات العنيفة". وهو ما وجده مبكرا في السينما السوفيتية، لا بوصفها مدرسة تقنية فقط، بل باعتبارها موقفا فكريا واضحا من العالم.
في أحد حواراته الواردة بكتاب "يوسف شاهين يتحدث عن نفسه"، يعبر شاهين عن هذا التأثير قائلا: "أنا تعلمت من السينما السوفيتية أن الفيلم ليس حكاية فردية بل يمكن أن يصبح حكاية شعب بأكمله، وأن المونتاج فكر وليس تجميلا للواقع".
محمد منير عن يوسف شاهين: لذيذ ومجنون
هذا الوعي المبكر جعل شاهين قريبا من تجارب المخرجين الروسيين سيرغي آيزنشتاين وفسيفولود بودوفكين، حيث تتحول الصورة إلى خطاب، والمشهد إلى صراع. وهو لخصه شاهين بعبارة: "آيزنشتاين جعلني أدرك أن الصورة يمكن أن تصرخ، وأن الحقيقة يمكن أن تتضح دون أن يتكلم صاحبها".

السياق السياسي.. مصر والاتحاد السوفيتي وشاهين

في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومع صعود المشروع الناصري وحركة عدم الانحياز، بدا التعاون المصري - السوفيتي جزءا من مشروع تحرر أوسع. وفي هذا السياق، وجد يوسف شاهين مساحة للعمل داخل مناخ لا يفصل الفن عن السياسة.
لم يكن شاهين يؤمن بما يسمى "السينما المحايدة"، وهو ما صرح به بوضوح في حوار مع مجلة "السينما والتاريخ" في باريس عندما قال: "أنا لا أؤمن بالسينما المحايدة. كل فيلم هو موقف، حتى إذا لم يتم الاعتراف بذلك.. الروس كانوا صادقين في هذه النقطة.. لم يختبئوا خلف الترفيه".
هذا التصريح يفسر لماذا بدا شاهين متقاربا مع السينما السوفيتية، لا لأنها مؤدلجة، بل لأنها تعترف بانحيازها للقضية التي تتحدث عنها.

"الناس والنيل".. ذروة اللقاء الفني

يعد فيلم "الناس والنيل" (1968) التجسيد الأوضح للتعاون بين يوسف شاهين والاتحاد السوفيتي. فالفيلم، الذي أنتج بإسهام روسي مباشر، وتناول مشروع السد العالي، لم يكن احتفالية دعائية بقدر ما كان مساءلة إنسانية عميقة.
في حوار مع الناقد سمير فريد، يقول شاهين: "يعتقد البعض أن "الناس والنيل" فيلم دعائي، لكن الحقيقة أنني كنت مهتم بالإنسان الذي يضيع حقه خلال تنفيذ المشروع الكبير. الروس أدركوا ذلك لأن عندهم نفس الصراع بين الحلم الجماعي وثمنه الإنساني".
هنا تتلاقى رؤية شاهين الذاتية مع التجربة السوفيتية: الملحمة لا تلغي الفرد، بل تكشف هشاشته داخل المشروع الكبير.
ويضيف شاهين في الحوار نفسه: "التعاون مع الروس كان مريحا فنيا. لم يطلب مني أحد عمل لقطة فنية مميزة فقط، بل كان اهتمامهم بهدف الفيلم".
وزيرة الثقافة الروسية: الحوار بين روسيا ومصر في مجال السينما يشهد تطورا ديناميكيا

أثر المدرسة الروسية في لغة شاهين

حتى خارج إطار الإنتاج المشترك، ظل الأثر السوفيتي حاضرا في لغة يوسف شاهين السينمائية، خاصة في: المشاهد الجماعية الواسعة، البناء الملحمي، والشخصيات بوصفها نتاجا للتاريخ لا معزولة عنه، وهو ما نراه في أفلام مثل "الأرض" و"العصفور"، حيث يتحول التاريخ إلى بطل غير مرئي.
لكن شاهين لم يكن تابعا لأي مدرسة. ففي حوار مع جريدة "الأهرام"، شدد على استقلاله قائلا: "لست مخرجا اشتراكيا ولا رأسماليا. أنا مخرج حر. أستفيد بما يناسبني من أي تجربة وأرفض ما يقيدني".

المستوى الشخصي.. الإعجاب دون الذوبان

على المستوى الشخصي، كان شاهين مفتونا بالتجربة الروسية فنيا، لكنه متحفظ أيديولوجيا. لم يقبل الصرامة العقائدية، وظل منحازا للحرية الفردية، والسيرة الذاتية، والصوت الذاتي القَلِق، وهي عناصر تتناقض أحيانا مع الخطاب الجماعي الصلب، لهذا لم تكن علاقته بروسيا علاقة تبعية، بل حوارا دائما.
في خلاصة رؤيته، يعبر شاهين عن إيمانه بالسينما العابرة للجغرافيا في كتاب "يوسف شاهين… السينما والحياة"، قائلا: "أنا مخرج مصري، لكن السينما ليس لها جنسية. الفيلم الجيد يتم فهمه في موسكو مثلما يفهمه أهل الإسكندرية في مصر". وهي جملة تلخص علاقة يوسف شاهين بروسيا وهي "علاقة فنية إنسانية تتجاوز السياسة دون أن تنفصل عنها".
مناقشة