وعلى مدى يومي 18 و19 يناير/ كانون الثاني الجاري، عُرضت أفلام قصيرة مجانية تعتمد تقنية "الوصف الصوتي"، ما أتاح للمكفوفين وضعاف البصر متابعة تفاصيل المشاهد والأحداث كاملة، عبر سرد سمعي يملأ الفراغات، التي تتركها الصورة. تجربة لم تكتفِ بكسر الحواجز البصرية، بل أكّدت أن السينما مساحة مشتركة قادرة على احتضان الجميع، دون استثناء.
الفعالية قدّمت باقة مختارة من أعمال صُمّمت خصيصًا لتكون متاحة لذوي الإعاقة البصرية، في خطوة تعكس التزامًا واضحًا بتعزيز الشمولية الثقافية، وتحويل المسارح ودور العرض إلى فضاءات مفتوحة للجميع، حيث يصبح الفن حقًا لا امتيازًا.
وفي هذا السياق، شدّد الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، مؤسّس المسرح الوطني اللبناني، في حديثه لـ"سبوتنيك"، على أن شعار "السينما للجميع" ليس مجرد عنوان، بل نهج ثابت تعمل عليه جمعية "تيرو للفنون". وأوضح أن "هذه التجربة انطلقت أولًا في طرابلس، لتصل اليوم إلى بيروت، عبر أفلام مزوّدة بخاصية الوصف الصوتي التي تمكّن الكفيف من "مشاهدة" الفيلم من خلال السمع، حيث تُوصف الحركات والمشاهد وكل ما يجري في لحظات الصمت، فلا يفوته أي تفصيل".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
واعتبر إسطنبولي أن المشاركة في هذه التجربة الإنسانية تمثّل جوهر الفن ورسالة وجوده، مؤكدًا أن الفن خُلِق من أجل الناس وخدمتهم، ويجب أن يكون متاحًا لكل طبقات المجتمع، وقادرًا على دمجها في تجربة واحدة. وأضاف أن "جمال هذه العروض يكمن في كونها تجمع المبصرين والمكفوفين معًا، في مشاهدة مشتركة تتجاوز الفوارق"، مشيرًا إلى أن "الجمعية تعمل على هذا النهج عبر ورش تدريبية وأنشطة فنية متعددة، وصولًا اليوم إلى السينما، "السينما للجميع".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وتابع إسطنبولي: "الإنتاج السينمائي والدرامي في العالم العربي مُطالب اليوم بإعداد نسخ خاصة مرفقة بالوصف الصوتي، لما لذلك من دور في توسيع قاعدة الجمهور والوصول إلى شرائح جديدة في المجتمع". وأعرب عن سعادته باستضافة المسرح الوطني اللبناني في بيروت، لهذه الفعالية، معتبرًا أنها "تشكل تجربة تُقام للمرة الأولى في العاصمة، وتُفتح فيها نافذة تواصل إنساني بلغة الفن".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وختم إسطنبولي حديثه بالقول: "من حق الجميع ممارسة الفن ورؤيته"، لافتًا إلى أن "ذوي الإعاقة يمتلكون طاقات ومواهب تحتاج فقط إلى مساحات آمنة للتعبير عنها".
ودعا إلى "دمجهم فعليًا في الأعمال الفنية والسينمائية والدرامية"، معتبرًا أن "هذا الدمج يحقق تكاملًا حقيقيًا في المجتمع، ويجسّد فعليًا مفهوم "الفن للجميع".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وخلال ساعة من العروض، تابع المكفوفون مجموعة من الأفلام القصيرة في تجربة وُصفت بالفريدة. فضل عباس ملك، طالب مشارك، عبّر عن سعادته بخوض أول تجربة له في حضور عرض سينمائي، مؤكدًا أن الوصف الصوتي ساعد المكفوفين على فهم قصة الفيلم عبر تخيّل المشاهد في أذهانهم.
بدورها، قالت مريم فخر الدين لـ"سبوتنيك": "التجربة في بدايتها كانت صعبة على المستوى الحسّي، لكنها ما لبثت أن أصبحت ممتعة مع تقدّم العرض"، مشيرة إلى أنها "استطاعت فهم كل التفاصيل، وأن حاسة السمع لعبت دورًا أساسيًا في ذلك".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
أما بثينة طبش، وهي معلمة، فأشارت إلى أن "اختلاف اللهجات المستخدمة، الخليجية والعراقية، عن اللهجة اللبنانية خلق بعض الصعوبة"، معتبرة أن "التجربة رغم ذلك جديدة ومهمة"، واقترحت أن " يُعرض الفيلم مسبقًا على محرر صوتي وبجانبه شخص مبصر للتقييم قبل تقديمه للجمهور".
حين تشاهد السينما بالسمع.. بيروت تختتم فعالية "أسبوع سينما المكفوفين"
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
من جهته، عبّر الطالب الكفيف أحمد قطيش، عن إعجابه الكامل بالفكرة والتنظيم، متمنيًا أن تتكرر هذه التجربة وأن تكون بداية لمسار طويل، لا محطة عابرة، داعيًا إلى تعميم الفكرة في جميع دور العرض السينمائي.
وهكذا، أسدل "أسبوع سينما المكفوفين" ستاره في بيروت، تاركًا خلفه رسالة واضحة مفادها أنه حين يُصغي الفن للإنسان، تتحوّل السينما إلى مساحة جامعة، ترى بالقلب كما تُرى بالعين.