وفي المقابل، أعلن الجيش اللبناني مطلع الشهر الجاري أنه حقق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب الليطاني، مع استثناء "النقاط الخمس" التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي. وعلى ضوء ذلك، طلب مجلس الوزراء اللبناني في جلسته حينها من قيادة الجيش إعداد خطة مماثلة لمنطقة شمال نهر الليطاني، تمهيدًا لعرضها ومناقشتها خلال مطلع الشهر القادم.
لكن، وعلى الرغم من هذه الجهود الرسمية، تبدو آلية مراقبة وقف الأعمال العدائية "الميكانيزم" مجمّدة فعليًا، مع اجتماعات متقطعة ونتائج شبه معدومة، ومحاولات لإعادة تعريف دورها من آلية تنفيذ تقنية إلى مدخل لمسارات سياسية وأمنية أوسع، وهو ما يرفضه بعض الأطراف اللبنانية التي تعتبر ذلك التفافًا على طبيعة الاتفاق الأصلية.
تصعيد غير مسبوق في جنوب الليطاني… الأهالي بين الدمار والضغط الدولي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وسط هذا المشهد الملبّد بالتصعيد والضغوط، يبقى السؤال الأكبر: كيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، ومع التحديات الأمنية والسياسية في شمال وجنوب نهر الليطاني؟
مشهد مأساوي يتكرر بلا رحمة
يقف أبو العبد عودة مذهولًا، يشكر الله على سلامة عائلته رغم الضرر الشديد الذي لحق بالمبنى الذي قضى والده وأخوته سنوات في بنائه واستثمروا فيه جنى عمرهم في بلدة قناريت، دقائق قليلة كانت تفصلهم عن الغارات، ولم يكن يعلم أن منزله يقع ضمن دائرة الخطر على بعد 200 متر فقط، جاءه اتصال من أحد جيرانه، حذره من القصف، فهرع مع أهله للاحتماء عند أحد أقاربهم. وحين يتحدث عن المبنى يقول بصوت هادئ، لكنه يحمل صدى الألم: "من عمر المبنى مرة يستطيع أن يعمره مرة ثانية".
بين الأنقاض، يفتش الشبان والنساء والأطفال بين الركام عن أي أثر لما تبقى من حياتهم، يلمسون الحجارة المكسورة، ويتذكرون رائحة الجدران وأثاث المنزل الذي صار ذكرى. بينهم حسن الدر، أحد سكان الأبنية التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في بلدة قناريت، يروي بأسى: "المبنى سكني وخالي من أي شيء لحزب الله. طلبنا من الجيش اللبناني أن يأتي للكشف على المبنى أو أي مسؤول من الدولة، ولكن للأسف لم يأتِ أحد. المبنى ليس تحت التهديد المباشر، بل المباني التي تقع فوقنا. لم نكن في المنزل عندما ضرب القصف، وعندما عدنا وجدنا كل شيء قد دُمّر… كل أغراضنا وحاجياتنا ضاعت."
تصعيد غير مسبوق في جنوب الليطاني… الأهالي بين الدمار والضغط الدولي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
تصعيد مستمر وضغوط دولية
وقال الكاتب والمحلل السياسي يونس عودة لـ"سبوتنيك": إن "إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه قبل نحو عام وشهر تقريبًا، في حين التزم لبنان بجميع بنوده ومندرجاته، مشيرًا إلى أن إسرائيل تواصل سياسة الضغط بدعم وحماية أمريكيين كاملين، ولا سيما في ما يتصل بما جرى داخل لجنة آلية تنفيذ القرار المعروفة بـ"الميكانيزم".
وأضاف أن إسرائيل تواصل ضغوطها، فيما يوفّر الأمريكيون لها الغطاء الكامل ويقدّمون لها ما تريده، لافتًا إلى أن لجنة "الميكانيزم" انتهت عمليًا، رغم وجود محاولات لبنانية لإعادة ضخّ الروح فيها، إلا أن الولايات المتحدة، وعلى ما يبدو، سعت إلى قطع الطريق على شريكها الفرنسي، وهو أيضًا دولة ضامنة، وأطاحت بهذه الآلية.
تصعيد غير مسبوق في جنوب الليطاني… الأهالي بين الدمار والضغط الدولي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وتابع عودة أن الدبلوماسية تبدو عاجزة حتى الآن عن إعادة إحياء هذه الآلية، خصوصًا في ظل المطالب الإسرائيلية بتوسيع دائرة الاتصالات والانتقال إلى اتصالات سياسية، تمهيدًا للتوصل إلى ترتيبات أمنية مبدئية، ومن ثم جر الأمور تدريجيًا إلى مسارات أوسع.
وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الظروف القائمة حاليًا لرفع منسوب الضغط، لا سيما أنها ترى تقديم أوراق من الحكومة اللبنانية من دون أي مقابل، معتبرًا أن بعض هذه التنازلات قد تسهم، في بعض الجوانب، في تعزيز قدرة إسرائيل على ممارسة مزيد من الضغط.
وعن الموقف الرسمي اللبناني، رأى عودة أن التصريحات الصادرة عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، إضافة إلى بعض الوزراء والقوى السياسية، تصبّ في خانة تقديم أوراق للإسرائيلي وللأمريكي، ربما تحت الضغط الأمريكي، مؤكدًا أن ذلك لا يعني وجوب الانصياع لهذه الضغوط، خاصة أن مصير وطن بأكمله على المحك.
وأوضح أن الضغوط ستستمر في إطار محاولة إخضاع لبنان، إلا أن التوازنات الداخلية اللبنانية ستمنع الوصول إلى هذا الهدف.
وعن احتمال التصعيد، قال عودة إنه حتى الآن لا توجد مؤشرات تدل على التوجّه نحو حرب واسعة، موضحًا أن الحرب بمعناها العملي تعني تقدّمًا بريًا واحتلالًا، في حين أن العمليات الجوية الإسرائيلية مستمرة يوميًا.
وأضاف أن الحديث عن حرب واسعة يبقى مرتبطًا بالتقدّم البري، مشيرًا إلى أن جنوب الليطاني بات اليوم تحت السيطرة الأمريكية–الإسرائيلية، في ظل غياب التواجد اللبناني الفاعل على الأرض نتيجة غياب الغطاء السياسي الذي كانت تؤمّنه آلية "الميكانيزم" والأمم المتحدة.
ولفت إلى أنه في حال تقدّمت القوات الإسرائيلية لاحتلال الجنوب، فإن المسؤولية في المرحلة الأولى تقع على عاتق الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المقاومة ستكون مكتوفة الأيدي.
وختم عودة بالقول: إنه "لا توجد مؤشرات لحلول قريبة في الأفق، معتبرًا أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول "وجود شيء ما سيتم البحث فيه" تحمل دلالات ملتبسة وتحتمل أكثر من تفسير، إلا أنها توحي بوجود رغبة متبادلة بين واشنطن وطهران بالتفاوض، الأمر الذي سينعكس على لبنان والمنطقة، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش حالة حرب مفتوحة، ولا يبدو أن الاستقرار سيتحقق في المدى القريب".