فالثورة التي انطلقت بشعارات الحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد، فتحت الباب أمام تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، لكنها في المقابل أدخلت البلاد في مراحل انتقالية طويلة لم تكتمل ملامحها بعد.
مراحل متتالية
أكد المحلل السياسي إدريس احميد أن ليبيا بحاجة إلى تقييم شامل للمراحل التاريخية التي مرت بها منذ الاستقلال عام 1951، وهي مرحلة كان من الممكن أن تؤسس لدولة قوية ومتماسكة، خاصة وأن ليبيا كانت من الدول السباقة في المنطقة وتميزت آنذاك بنظام تعليمي واقتصادي منفتح ومؤسسات دولة واعدة.
بعد 15 عاما على ثورة فبراير.. مسار متعثر بين التدخلات الدولية وآمال الانتخابات الليبية
© Sputnik . MAHER ALSHAERY
إلا أن البلاد، بحسب تعبيره، مرت لاحقا بمراحل سياسية واجتماعية أبطأت عملية التحول والتنمية نتيجة توجهات سياسية أثرت على الداخل الليبي، وأدخلت البلاد في صراعات جعلتها في موقع خصومة مع عدد من الدول بسبب قضايا متعددة.
وقال احميد في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن ما حدث في عام 2011 جاء نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، حيث تلاقت مصالح بعض الدول مع مطالب الليبيين الذين كانوا يسعون إلى التغيير وتحسين مستوى المعيشة وتحقيق الاستقرار ومواكبة التطورات العالمية.
لكنه أشار إلى أن الأوضاع خرجت عن السيطرة لاحقا مع انتشار السلاح وتفكك مؤسسات الدولة، ما أدى إلى دخول البلاد في مراحل معقدة من عدم الاستقرار.
وأضاف أن الأزمة الراهنة هي نتاج تراكمات سياسية واجتماعية داخلية، حيث سيطرت أطراف على مفاصل القوة، سواء عبر السلاح أو الاقتصاد، وهو ما أدى إلى تعطيل الاستحقاقات الانتخابية وظهور مظاهر الهشاشة الاجتماعية وصعود النزعات المناطقية والقبلية والجهوية.
ولفت إلى أن هذه الظروف فتحت الباب أمام تدخلات دولية واسعة لم تكن بهذا الشكل عند استقلال ليبيا، حيث رأت بعض الدول أن موقع ليبيا وتطورها يمثلان عامل تأثير مباشر على مصالحها، ما دفعها للتدخل أحيانا بالتعاون مع أطراف ليبية، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الأزمة.
وأشار احميد إلى أن ليبيا لا تزال واقعة تحت تأثير الإرادة الدولية، وفي ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع استمرار وجود مبعوثين دوليين يديرون المسار السياسي، معتبرا أن بعض الأطراف المستفيدة من الوضع الراهن لا ترغب في تحقيق الاستقرار الكامل.
واعتبر أن من أبرز التطورات خلال السنوات الماضية إعادة بناء المؤسسة العسكرية بقيادة القيادة العامة للجيش الليبي، مشيرا إلى أن هذه المؤسسة لعبت دورا مهما في تأمين الحدود وحماية مقدرات الدولة، وهو ما يمثل عامل استقرار مهما في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.
وانتقد احميد أداء المؤسسات السياسية، معتبرا أن فشل الطبقة السياسية في الوفاء بالتزاماتها ساهم في استمرار الأزمة، لافتا إلى تعطل دور البرلمان وعدم فاعلية مجلس الدولة، إلى جانب تعثر عمل حكومة الوحدة الوطنية.
وأضاف أن استمرار الأزمة هو نتيجة طبيعية لمدخلات سياسية خاطئة انعكست بدورها على مخرجات غير قادرة على تحقيق الاستقرار.
وأكد أن غياب دور الشارع الليبي في التأثير على المشهد السياسي ساهم في تكريس حالة الانقسام، مشددا على أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل ترتبط أيضا بضعف الوعي الوطني، حيث تم اختزال مفهوم الوطن في أشخاص أو كيانات بدلا من ترسيخه كمفهوم قائم على القانون والمؤسسات والمصلحة الوطنية.
وأكد ضرورة إطلاق مصالحة وطنية ليبية شاملة تنبع من الداخل، بعيدا عن التعويل على الحلول الخارجية، مشيرا إلى أن بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة، قد تكون لها مصالح لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات الليبيين.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة والعمل على بناء دولة قائمة على القانون والمؤسسات، بما يحقق الاستقرار وينهي سنوات الانقسام والأزمة.
تدخلات كبيرة
من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري، أن أحد أبرز العوامل التي أعاقت المسار السياسي في ليبيا يتمثل في التدخلات الدولية غير المباشرة في الشأن الليبي، إلى جانب حالة التنافس والمناكفات بين الدول المنخرطة في هذا الملف، والتي تستخدم أدوات إقليمية وعربية لتحقيق مصالحها.
وأضاف أن الأزمة الليبية يمكن أن يحدث لها انفراجة فقط عندما تصل هذه الدول إلى تفاهمات مشتركة، وهو ما قد يمهد الطريق نحو إجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام.
وقال الشاعري في حديثه لـ"سبوتنيك" إن تحركات الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا تظل مرتبطة بشكل مباشر بمواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حيث تعتمد البعثة على تقديم إحاطات دورية، بينما تبقى القرارات النهائية المتعلقة بمستقبل الملف الليبي خاضعة لتوازنات ومصالح هذه الدول. وأضاف أن هذا الواقع جعل ليبيا حتى الآن رهينة للإرادة الدولية، في ظل غياب توافق خارجي واضح يدعم مسارا سياسيا مستقرا.
وأكد أن الملف الليبي لا يزال مثقلا بتجاذبات القوى الدولية، التي تمثل عنصرا حاسما في ترجيح كفة الحل أو استمرار الأزمة، معتبرا أن التدخلات الخارجية أسهمت بشكل كبير في إطالة أمد الانقسام السياسي والمؤسساتي.
ورأى أن هذا الانقسام لن ينتهي بشكل فعلي إلا عندما تتفق هذه الأطراف على رؤية موحدة لمستقبل ليبيا.
وأوضح الشاعري أن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي وانقسام الحكومات والخلافات بين الأطراف السياسية انعكس بشكل مباشر على حياة المواطن الليبي، من خلال تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، فضلا عن استمرار التوترات الأمنية والصراعات المسلحة.
ولفت إلى أن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني سيشكل المدخل الرئيسي لمعالجة الأزمة الاقتصادية، نظرا للارتباط الوثيق بين هذه الملفات.
وتوقع الشاعري ألا تستمر الأزمة الليبية لفترة أطول مما هي عليه الآن، في ظل وجود جهود ومشاورات متواصلة بين مختلف الأطراف تهدف إلى توحيد السلطة التنفيذية واستكمال الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
كما أشار إلى أن هذه الجهود تشمل معالجة النقاط الخلافية في الإطار الدستوري واستكمال جاهزية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مرجحا أن تشهد الأشهر المقبلة تطورات سياسية قد تسهم في تحريك حالة الجمود وفتح الطريق أمام الاستحقاقات الانتخابية المنتظرة.