ويعدّ مدفع رمضان في النبطية تقليدًا موروثًا منذ أكثر من 100 عام، حيث وُضع في بداياته على "بيدر النبطية" لإعلام الناس بموعدي الإفطار والإمساك، في وقت كان فيه صوت المؤذن يصدح من جامع "حي السراي القديم"، دون أن يصل إلى كل الأحياء، فجاء المدفع ليكون الصوت الأبعد والأوضح.
وتولى الجيش اللبناني، في ستينيات القرن الماضي، مهمة إطلاق القذائف الصوتية عند الغروب والإمساك، واستمر هذا المشهد حتى اندلاع الحرب اللبنانية، وخلال فترة الاحتلال الإسرائيلي، غاب صوت المدفع، قبل أن يعود بعد تحرير الجنوب عام 2000، مستعيدًا مكانه في ذاكرة المدينة.
اليوم، يتولى الشاب حيدر حجازي، إلى جانب مجموعة من شباب "النادي الحسيني" في المدينة، مهمة إطلاق المدفع، حيث يطلق طلقة واحدة عند الغروب، في مشهد ينتظره الكبار قبل الصغار في المدينة.
مدفع رمضان النبطية
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وقال حجازي لـ"سبوتنيك": "مدفع رمضان تراث نبطاني عريق، موروث منذ أكثر من 100 عام. كان يطلق من بيدر النبطية، حيث يوضع على جذع شجرة، وكان الناس ينتظرون لحظة الإطلاق لالتقاط الجريدة، التي تخرج من الفوهة، ومن يمسكها أولًا ينال جائزة، اليوم، تطور المشهد وانتقل إلى ساحة المدينة، وأضفنا فقرة "رمضون"، وهي مسابقة تفاعلية للأطفال والعائلات، كما أن تجهيز المدفع أصبح جزءًا من العرض، حيث يشاهد الناس وضع البارود ودكّه وإضافة الأوراق لإحداث الصوت، فيتجمهرون لتوثيق اللحظة والاستمتاع بها".
وقبل حجازي، تولى الحاج خضر كمال، هذه المهمة لأكثر من 35 عاما، وكان يطلق المدفع يوميًا، إضافة إلى 6 طلقات صباح عيد الفطر، وخلال تلك السنوات، تعرض لعدد من الإصابات والحروق، لكنه واصل أداء مهمته، حفاظًا على هذا التقليد.
ويتجمهر العشرات حول المدفع من الآباء والأمهات مع أطفالهم، قادمين من أحياء المدينة وخارجها، ومقصدهم واحد وهو مشاهدة لحظة الإطلاق، إذ عاش الكثير منهم هذه التجربة في صغرهم، ويحرصون اليوم على نقلها إلى أبنائهم وأحفادهم.
مدفع رمضان النبطية
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وقالت منى فقيه، التي حضرت مع حفيدتها وانتظرت قرابة الساعة: "مدفع النبطية من أجمل عادات رمضان، بعد الحرب، جاء هذا الشهر ليخفف عنا بعضًا من التعب والصعوبات، سأتأخر عن الإفطار، لكن هذه اللحظة تستحق، خاصة حين أشاركها مع حفيدتي".
ومن خارج المدينة، حضر موسى زريق، من بلدة أنصار برفقة ابنه، لكنهما وصلا بعد لحظة إطلاق المدفع، ورغم ذلك، لم يخف إصراره على البقاء، وكأن اللحظة لم تنته بعد بالنسبة له.
وقال زريق: "جئت لأري ابني ما كنت أرويه له، هذه ليست مجرد طلقة مدفع، بل ذكريات كاملة كنا نعيشها صغارًا، حين كنا ننتظر الصوت ونتجمهر لمشاهدته".