في هذا السياق، أُقيمت سهرة حكايات شعبية مخصّصة للكبار، أحياها الحكواتيان نتالي وعلي صبّاغ، بدعوة من جمعية "السبيل"، في مكتبة إلياس خوري العامة في بيروت، واستعادت الأمسية فنّ الحكواتي بوصفه ممارسة سردية حيّة تتجاوز النوستالجيا، وتعيد وصل الحاضر بذاكرة القصص الشعبية التي تناقلتها الأجيال شفهيًا، ومن خلال أداء تمثيلي تفاعلي، قدّم الحكواتيان مختارات من حكايات تراث بلاد الشام بروح معاصرة، مزجت بين اللغة المحكية والإلقاء المسرحي، في مساحة حميمة أتاحت للجمهور أن يكون شريكا في تجربة السرد.
يشرح الحكواتي علي صبّاغ أن العرض يستند أساسًا إلى الحكايات الشعبية في بلاد الشام، مشيرًا إلى أن هذه القصص تتشابه إلى حدّ كبير بين لبنان وسوريا وفلسطين، بل وحتى مع بلدان أخرى في العالم، ويقول إن الاختلاف غالبًا ما يكون في بعض التفاصيل أو الدلالات، مستشهدًا بصورة البومة التي تُعد في الشرق نذير شؤم، بينما تُعتبر في بعض الثقافات الغربية رمزًا للحكمة أو التفاؤل، "لكن جوهر الحكاية يبقى متشابهًا".
الحكواتي يعود... حكايات بلاد الشام تُروى وجهاً لوجه بعيداً من الشاشات
© Sputnik
ويرى صبّاغ أن الحكاية الشعبية، رغم تناقلها شفهيا، ليست عملًا بسيطا كما يظنّ البعض، بل هي "عمل أدبي بامتياز"، ينقل صورة عن واقع وعادات وتقاليد حقبة زمنية معيّنة، ويختزن قدرًا كبيرًا من الحكمة والتجارب الإنسانية. ويشدّد على أن مهمة الحكواتي ليست الوعظ أو التعليم المباشر، بل السرد بأسلوبه الخاص، بعيدًا من نبرة الأستاذ أو الشيخ، لأن الحكاية ملكٌ للجميع، تتوارثها الأجيال ويضع كل حكواتي بصمته عليها، فيُعدّل في حدث أو يطوّر شخصية، لتصبح أقرب إلى صوته وهويته.
ويؤكد أن التفاعل الذي يشهده اليوم يشبه إلى حدّ بعيد ما كان عليه الحال في الماضي، معتبرًا أن الناس ما زالوا متعطشين للحكاية الحيّة، رغم هيمنة "وسائل التواصل الاجتماعي" التي يصفها بأنها أقرب إلى "تباعد اجتماعي"، فالحكاية برأيه، فعل تواصل مباشر يخلق حميمية بين الراوي والجمهور، ويمنح اللقاء بعدا اجتماعيا لا يمكن للشاشة أن تعوّضه.
وتأتي هذه الأمسية ضمن مسار تعمل عليه جمعية "السبيل" لإحياء الفنون الشفوية، ليس فقط عبر أرشفة الحكايات وجمعها في كتب، بل من خلال إعادة تقديمها حيّة على المنصات الثقافية، وإطلاق دورات تدريبية لإعداد جيل جديد من الحكواتيين، وتنظيم عروض في المكتبات والمدارس، بهدف إبقاء هذا الفن حاضرًا في الفضاء العام.
من جهتها، تروي الحكواتية نتالي صبّاغ أن بدايتها مع الحكاية انطلقت من عملها معلمة لغة عربية، إذ كانت تبتكر قصة لكل حرف لتعليم الأطفال الأصوات بطريقة محبّبة. وتقول إن شغفها بتأليف الحكايات رافقها منذ الطفولة، قبل أن تطوّره من خلال عملها في المعهد الألماني، ثم عبر مشاركتها في دورات تدريبية لدى جمعية "السبيل" بإشراف الحكواتي جهاد درويش، إضافة إلى تدريبات في الصوت والأداء المسرحي.
وتشير إلى أن تجربتها تطوّرت من السرد إلى مسرح الدمى وكتابة نصوص عُرضت في عشرات المدارس في لبنان، قبل أن تنتقل إلى تدريب أطفال على فن الحكواتي، وتؤكد أن الإقبال على هذا الفن ازداد في السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل التحديات التي تواجه اللغة العربية لدى التلاميذ، معتبرة أن الحكاية يمكن أن تكون مدخلًا لتطوير اللغة وتنمية الخيال.
وترى نتالي أن الحكواتي ليس مرتبطًا بشهر رمضان فقط، وإن كان الشهر يحمل رمزية خاصة تعيد الناس إلى طقوس الماضي. لكنها تعترف بوجود تحديات، أبرزها تراجع القدرة على الإصغاء لفترات طويلة، ما يدفعها إلى اختيار حكايات تتسم بحسّ الفكاهة وإيقاع سريع، لتبقي الجمهور متفاعلًا، "كأنها عرض مسرحي حيّ"، على حدّ تعبيرها.
وتختم بالإشارة إلى أن الحكايات التي يسمعها الأطفال اليوم قد ترافقهم طوال حياتهم، "قد تزرع في داخلهم ذكرى أو ضحكة أو عبرة تعود إليهم في لحظة ما"، مؤكدة أن إحياء هذا الفن ليس مجرّد استعادة لماض جميل، بل استثمار في خيال الأجيال المقبلة.
هكذا، بين رفوف مكتبة عامة وأصوات تروي وجوها لوجوه، يعود الحكواتي ليحجز مكانه من جديد في المشهد الثقافي، لا كذكرى تراثية فحسب، بل كفنّ قادر على التجدد، وعلى إعادة الاعتبار لقيمة الإصغاء في زمن السرعة.