بعد سنوات من المبادرات.. ما حدود تأثير بعثة الأمم المتحدة في حل الأزمة الليبية؟
ماهر الشاعري
مراسل وكالة "سبوتنيك" في ليبيا
منذ اندلاع الأزمة الليبية، لعبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، دورًا محوريًا في محاولة دفع العملية السياسية نحو الاستقرار، عبر مبادرات للحوار، ورعاية الاتفاقات السياسية، وتقديم الإحاطات الدورية أمام مجلس الأمن الدولي حول تطورات المشهد الليبي.
Sputnikإلا أن تعاقب المبعوثين الأمميين وتعدد المسارات السياسية لم ينجح حتى الآن في إنهاء حالة الانقسام أو الوصول إلى تسوية شاملة تقود البلاد إلى انتخابات واستقرار دائم.
وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والمحلل السياسي الليبي إلياس الباروني، إن "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تهدف أساسًا إلى مساعدة البلاد على إدارة المرحلة الانتقالية، وبناء مؤسسات الدولة، ودعم العملية السياسية بما يمهّد للوصول إلى الاستقرار وإجراء الانتخابات".
وأضاف الباروني، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "البعثة لعبت، منذ انخراطها في الملف الليبي، عدة أدوار رئيسية، أبرزها الوساطة السياسية بين الأطراف الليبية المتنازعة، وقيادة سلسلة من الحوارات التي أفضت إلى عدد من الاتفاقات المهمة، من بينها الاتفاق السياسي الليبي "
اتفاق الصخيرات"، الذي أسس لحكومة الوفاق الوطني، إضافة إلى ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي نتج عنه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2021".
وأشار الباروني إلى أن "دور البعثة شمل كذلك دعم المسار الأمني والعسكري، إذ رعت اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، عبر اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وهو الاتفاق الذي ساهم في تخفيف حدة المواجهات العسكرية بين شرق البلاد وغربها، وفتح المجال أمام تحريك المسار السياسي، كما عملت البعثة على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات من خلال دعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية حول القوانين الانتخابية".
وأردف بأن "جهود البعثة امتدت أيضًا إلى دعم مساعي توحيد المؤسسات الليبية، والمساهمة في ملفات الإصلاح الاقتصادي، ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان، إلى جانب تنسيق المساعدات الدولية المقدمة إلى ليبيا".
ورأى الباروني أن "حصيلة أداء البعثة يمكن وصفها بالنجاح الجزئي، إذ تمكنت من منع انهيار الدولة بشكل كامل، ووفرت منصات للحوار بين الأطراف المتنازعة، لكنها لم تنجح حتى الآن في إنهاء المرحلة الانتقالية أو إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية مستقرة".
وأوضح أن "محدودية نجاح المبادرات الأممية تعود إلى عدة عوامل بنيوية، من أبرزها تضارب مصالح النخب السياسية، إذ أن بعض القوى المستفيدة من استمرار الوضع الانتقالي تخشى خسارة مواقعها في حال إجراء انتخابات، ما يدفعها إلى التعامل مع المبادرات الدولية بمنطق المناورة السياسية، كما تمثل ازدواجية الشرعية والمؤسسات أحد التحديات الرئيسية، في ظل وجود حكومات وبرلمانات متنافسة منذ عام 2014".
ولفت إلى أن "انتشار التشكيلات المسلحة وغياب الاحتكار الشرعي للسلاح يجعل القرار السياسي في كثير من الأحيان مرهونًا بالواقع العسكري على الأرض، الأمر الذي يحد من قدرة أي تسوية سياسية على الصمود، كما أسهم فشل إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر(كانون الأول) 2021، نتيجة الخلافات حول القوانين الانتخابية وقوائم المرشحين، في إعادة الأزمة السياسية إلى نقطة الصفر".
وأشار الأكاديمي والمحلل السياسي الليبي إلى أن "الأزمة الليبية لم تعد محصورة في إطارها الداخلي، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية، نتيجة تعدد التدخلات الخارجية وتنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في البلاد، سواء في ما يتعلق بملف الطاقة أو النفوذ في منطقة البحر المتوسط، كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن الدولي تنعكس بشكل مباشر على قدرة البعثة الأممية في فرض مسار سياسي واضح وملزم للأطراف الليبية".
وأضاف الباروني أن ما وصفه بـ"اقتصاد الصراع"، القائم على التنافس للسيطرة على الموارد النفطية والمؤسسات المالية، "يساهم في تعميق الانقسامات السياسية، بينما تظل أدوات الأمم المتحدة التنفيذية محدودة، باعتبار أن بعثتها في ليبيا، بعثة سياسية وليست قوة حفظ سلام عسكرية".
وأكد أن "نجاح أي مسار أممي مستقبلي يتطلب توحيد الموقف الدولي، وممارسة ضغط حقيقي لدفع الأطراف الليبية نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تعيد الشرعية للمؤسسات"، كما شدد على "أهمية إصلاح وتوحيد المؤسسات السيادية، وخاصة المؤسسات المالية والأمنية، إلى جانب توسيع المشاركة في العملية السياسية لتشمل البلديات والقبائل ومنظمات المجتمع المدني والشباب".
وأشار إلى أن "جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في غياب المبادرات الدولية، بل في تعارض المصالح الداخلية والخارجية حول السلطة والثروة"، مشددًا أن "نجاح أي مبادرة أممية مستقبلية سيظل مرهونًا بوجود إرادة دولية موحدة، وإرادة ليبية حقيقية لإنهاء المرحلة الانتقالية عبر انتخابات تعيد بناء مؤسسات الدولة".
من جهته، يرى المحلل السياسي معتصم الشاعري، أن "الدور الذي لعبته بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، منذ بداية الأزمة، يتمثل في إدارة الصراع أكثر من إنهائه".
وأشار الشاعري، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إلى أن "أبرز النتائج تمثلت في استمرار الانقسام السياسي في البلاد لأكثر من 15 عاما، رغم تعاقب أكثر من 10 مبعوثين أمميين إلى ليبيا، خلال تلك الفترة".
وأضاف أن "البعثة الأممية لم تلعب دورًا إيجابيًا في توحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، أو تسريع عملية توحيدها، كما لم تتمكن من إنهاء الأزمة الليبية رغم ما تمتلكه من إمكانيات ودعم من الدول المتدخلة في الشأن الليبي"، ويرى كذلك أنها "لم تساهم بشكل فعّال في إنهاء الصراع القائم منذ سنوات أو في الدفع نحو إجراء الانتخابات المنتظرة".
وأكد أن "المبادرات الأممية لم تنجح حتى الآن، وقد لا تنجح مستقبلًا"، مرجعًا ذلك إلى "عدم وجود تفاهم حقيقي بين الدول المعنية بالملف الليبي"، وأوضح أن "هذه الدول لم تصل إلى توافقات نهائية بشأن إنهاء الانقسام في ليبيا، الأمر الذي يعرقل أي مبادرات تسعى إلى حل الأزمة".
وتابع الشاعري أن "الأزمة الليبية لم تعد مجرد انقسام سياسي داخلي، بل باتت مرتبطة بمصالح بعض الدول، التي ترى في استمرار الانقسام فرصة لتحقيق مكاسب معينة".
ويعتقد أن "توحيد ليبيا، تحت حكومة واحدة، سيجعل من الصعب على هذه الدول الاستمرار في استنزاف البلاد، وهو ما يدفعها إلى عدم السعي الجاد لحل الأزمة".
كما أشار إلى أن "الانقسامات والتجاذبات الداخلية بين الأطراف الليبية تؤثر بشكل كبير على قدرة بعثة الأمم المتحدة في تحقيق أي تقدم سياسي، فمع وجود انقسام دولي حول الملف الليبي، إلى جانب الانقسام الداخلي بين القوى السياسية الليبية، تصبح الجهود الأممية محدودة التأثير في الدفع نحو حل الأزمة أو الوصول إلى الانتخابات".
ودعا الشاعري "المجتمع الدولي إلى رفع يده عن الملف الليبي وترك الليبيين يديرون شؤونهم بأنفسهم"، مؤكدًا أنه "على الأطراف الليبية إدراك أن الأجيال القادمة لن تسامحهم على استمرار هذا الوضع".
كما شدد على "ضرورة جلوس جميع الأطراف والمكوّنات الليبية إلى طاولة واحدة في ملتقى وطني جامع، بهدف لمّ شمل البلاد والتوافق على الذهاب إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية، إضافة إلى توحيد الجهود الأمنية والاقتصادية، بما يسهم في بناء دولة ليبية موحدة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومنع أي تدخل في شؤونها".
من جانبه، قال المحلل السياسي جمال الفلاح، إن "بعثة الأمم المتحدة جاءت أساسًا لتيسير الحوار بين الأطراف الليبية وتقريب وجهات النظر بينها، دون تغليب طرف على آخر".
وأوضح الفلاح، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "البعثة عقدت العديد من اللقاءات، منذ بداية الأزمة وحتى الآن، في محاولة لتقريب المواقف بين الفرقاء الليبيين، ودعم مشروع الدولة الذي يطالب به الليبيون، والمتمثل في بناء دولة مؤسسات قائمة على القانون والعدالة".
وأضاف أن "الأمم المتحدة تسعى إلى الإسهام في ترسيخ أسس الدولة الليبية الحديثة، من خلال دعم بناء المؤسسات وتطوير القوانين والتشريعات والنظم التي تقوم عليها الدولة".
وأشار إلى "وجود صراع داخلي كبير بين الأطراف المحلية على السلطة والنفوذ في ليبيا، وهو صراع بات واضحًا منذ سنوات، إذ يسعى كل تيار أو حزب إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من النفوذ، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهات وصراعات بين هذه الأطراف".
وبيّن الفلاح أن "البعثة الأممية حاولت تهدئة التوترات بين الأطراف المختلفة وخلق مسار سياسي للحل، إلا أن الأمر ظل في نهاية المطاف بيد أصحاب المصلحة أنفسهم، الذين خاضوا عدة جولات من الاقتتال دفاعًا عن مصالحهم، ومع ذلك، حاولت البعثة في أكثر من مناسبة التدخل لفض النزاعات وفرض نوع من التوازن بين القوى المتصارعة في البلاد".
ولفت إلى أن "بعض الأطراف المسلحة في ليبيا، ما زالت تحاول فرض السيطرة على البلاد بقوة السلاح، وهو ما يجعل من الصعب على بعثة الأمم المتحدة إنهاء هذه الظواهر بشكل كامل، خاصة في ظل سعي كل طرف لتعزيز نفوذه، إضافة إلى وجود تدخلات خارجية من دول تدعم بعض الأطراف المحلية، الأمر الذي أسهم في إفشال العديد من الحلول السياسية المقترحة".
وشدد جمال الفلاح على أن "المجتمع الدولي، وبخاصة مجلس الأمن الدولي، مطالب باتخاذ موقف أكثر حزمًا عبر فرض عقوبات على كل من يعرقل المسار السلمي وإجراء الانتخابات، وكذلك على الأطراف التي ساهمت في إفساد المشهد السياسي أو كانت سببًا في الاقتتال أو تورطت في تهريب السلاح والنفط".
ومضى مؤكدًا أن "تطبيق مثل هذه العقوبات بشكل فعلي على الأطراف المحلية والدولية قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية حقيقية، تقود إلى الاستقرار وإجراء الانتخابات وبناء دولة المؤسسات في ليبيا".
وتعاني ليبيا من نزاع بين حكومتين، واحدة منحها البرلمان المنعقد في طبرق، أقصى شرقي البلاد، ثقته برئاسة أسامة حماد، والثانية حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن اتفاقات سياسية رعتها الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة، إلا عبر انتخابات.