وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، اليوم الخميس، بعد سنوات من الانهيار المتسارع للريال اليمني، الذي دفع بأسعار الصرف إلى مستويات قياسية (مقتربة من 3000 ريال للدولار الواحد)، شهدت الأسواق اليمنية خلال الأشهر الماضية تحسنا مفاجئا ملحوظا في سعر العملة المحلية.
وتابع العفيف: "غير أن هذا التحسن، الذي كان يفترض به أن يكون بشير خير واستقرار، كشف النقاب عن مفارقة اقتصادية كبرى ومحيرة، باختفاء شبه كامل للكتلة النقدية المحلية من التداول ومن خزائن البنك المركزي، على الرغم من ضخامتها السابقة واعتبارها أحد الأسباب الرئيسية للتضخم، وفي وقت لم تشهد فيه موارد العملات الأجنبية (تحويلات المغتربين، الدعم السعودي، مرتبات القوات) أي تغير يذكر مقارنة بفترة الانهيار".
وقال الخبير الاقتصادي: "في فترة الانهيار (سعر صرف ~3000 ريال/دولار)، العملات الأجنبية كانت متوفرة من مصادرها المعتادة (تحويلات، دعم، مرتبات)، و الكتلة النقدية المحلية، كانت ضخمة ومتدفقة في الأسواق، لدرجة أنها شكلت ضغطا تضخما، والمشكلة تمثلت في هروب جماعي من الريال كوعاء لحفظ القيمة، والتحول نحو العملات الأجنبية كملاذ آمن، في فترة التحسن الحالية (سعر الصرف ~1600 ريال/دولار)، العملات الأجنبية، من نفس المصادر وبنفس الكميات تقريبا، علاوة على أن الكتلة النقدية المحلية هى نفسها نظريا، لكن الريال اختفى فعليا من السوق والبنك المركزي اليمني بالعاصمة المؤقتة عدن".
وأشار العفيف، إلى أن، المشكلة تحولت إلى شح حاد ونادر في الريال، رغم أنه كان يشكل فائضا قبل فترة وجيزة، إلا أن الحقيقة هى أن الكتلة التي اختفت ذهب إلى خزائن شركات الصرافة والتجار و هو تحول سلوكي جذري، فالريال اليمني لم يختف بالمعنى المادي، بل تحول من وسيلة تداول يومية إلى سلعة اكتناز استراتيجية في أيدي فاعلين رئيسيين، الصرافين والتجار، هذا التحول المفاجئ في السلوك هو جوهر الأزمة.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن سلوك الصرافين - من المضاربة إلى الاحتكار، ففي مرحلة الانهيار، كان الصرافون جزءا لا يتجزأ من حلقة المضاربة التي عجلت بانهيار الريال، عبر التخلص السريع منه والتحول إلى العملات الصعبة، أما اليوم، فقد تغير سلوكهم جذريا، واتجه نحو الاكتناز، حيث بدأ الصرافون في الاحتفاظ بالريال في خزائنهم، إما انتظارا لمزيد من التحسن في سعر الصرف، أو تحسبا لأي تطورات مستقبلية، وامتنعوا عن صرف مبالغ نقدية بالريال للتجار من حساباتهم، حتى عندما تكون أرصدة هؤلاء التجار كافية، وبرروا ذلك بشح السيولة، لكن الشح كان في الحقيقة مصطنعا، فهم يمتلكون الريال لكنهم يرفضون ضخه في السوق لتحقيق مكاسب مستقبلية.
واستطرد: "هذا التفاعل خلق حلقة مفرغة: امتناع الصرافين عن الصرف ← فقدان التجار للثقة ← سحب الودائع أو عدم إيداع جديدة ← تقلص سيولة الصرافين الفعلية ← مزيد من الامتناع عن الصرف ← مزيد من اكتناز التجار وتحولهم إلى منافسين للصرافين في حبس الريال عن التداول".
ولفت العفيف، إلى أن النتيجة الحتمية، هى أن الكتلة النقدية المحلية لا تزال موجودة نظريا، لكنها معزولة تماما عن التداول، محتجزة في خزائن الفاعلين الاقتصاديين الرئيسيين، الأمر الذي جعل البنك المركزي عاجزا عن دفع الرواتب،
هذه هي المفارقة الكبرى، دولة لديها ودائع من العملات الأجنبية (سعودية، وغيرها) وتتحصل على تحويلات من المغتربين، لكنها عاجزة عن دفع الرواتب بالعملة المحلية، لأن الريال محتجز لدى الصرافين والتجار.
وختم بالقول: "استقرار العملة الحقيقي لا يصنع بقرارات إدارية، بل بسلوك الفاعلين الاقتصاديين وثقتهم، ما لم يتم كسر حلقة الاكتناز وإعادة الريال إلى التداول، سيبقى اليمن يعيش هذه المفارقة المؤلمة، كتلة نقدية ضخمة لا ترى، وعملات أجنبية وفيرة لا تحول، ومواطنون عاجزون عن تدبير ريال واحد لشراء رغيف خبز".
ويشهد اليمن تهدئة هشة منذ إعلان الأمم المتحدة، في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2022، عدم توصل الحكومة اليمنية وجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) إلى اتفاق لتمديد وتوسيع الهدنة التي استمرت 6 أشهر.
ويعاني البلد العربي منذ أكثر من 10 أعوام، صراعًا مستمرًا على السلطة بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة "أنصار الله"، انعكست تداعياته على مختلف النواحي، إذ تسبب في أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
وتسيطر جماعة "أنصار الله" منذ أيلول/سبتمبر 2014، على غالبية المحافظات وسط وشمال اليمن، بينها العاصمة صنعاء، فيما أطلق تحالف عربي بقيادة السعودية، في 26 آذار/مارس 2015، عمليات عسكرية دعماً للجيش اليمني لاستعادة تلك المناطق من قبضة الجماعة.