المركبات المدمرة: قنابل سامة تفاقم أزمات غزة
وبعدما كانت السيارات وسائل للنقل، أصبحت هياكل محترقة تهدد الصحة العامة، ما يفاقم المعاناة الإنسانية في القطاع المحاصر، ويشير المواطن أيمن قنيطة إلى أن خطر هذه السيارات المنتشرة أصبح مضاعفًا، فهي من جهة تحتضن القمامة والنفايات الصلبة التي لم تعد البلديات قادرة على جمعها، ومن جهة أخرى تحولت إلى أوكار للحشرات والقوارض، وتطلق روائح كريهة وسوائل سامة نتيجة تحلل بقايا المركبات والزيوت والوقود، التي تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية.
ويقول أيمن قنيطة الذي يسكن مدينة خان يونس جنوبي القطاع لوكالة "سبوتنيك": "نعيش وسط كومة من الحديد الصدئ والقمامة، وأطفالنا يصابون بأمراض جلدية وتنفسية، ولا نستطيع التخلص من المركبات المدمرة، أو إبعادها عن أبواب منازلنا، فهذه المشكلة صعبة جدًا، لأنها تجلب لنا الأمراض وترعب أولادنا".
ويضيف قنيطة: "انتشرت ظاهرة البراغيث والبعوض في المنطقة، ونطالب الجهات المختصة بنقل هذه السيارات إلى مكان بعيد عن السكان، ونحن نعيش بين القطط والكلاب ولا نستطيع النوم، وبعد الهدنة نظفنا بيوتنا لنستقر فيها، لكن لا أحد يهتم بنا، وليس لنا أي نوع من الحياة، وكما ترى غالبية من كانوا يملكون سيارة قبل الحرب، أصبحت اليوم تحت الركام أو مكبًا للنفايات، وهم باتوا بلا مأوى، لا بيت ولا سيارة ولا شيء".
ويؤكد خبراء بيئيون أن بقاء هذه السيارات وسط التجمعات السكنية سيؤدي إلى تلوث التربة، محذرين من ظهور أوبئة مرتبطة بالتلوث البيئي إذا لم يتم التدخل العاجل لجمع هذه النفايات المعدنية ووضعها في مناطق معزولة بعيدًا عن السكان.
ويضيف النازح في خان يونس جنوبي القطاع وائل فرحان لـ"سبوتنيك": "انتشرت ظاهرة البراغيث والبعوض في المنطقة، ونطالب الجهات المختصة بنقل هذه السيارات إلى مكان بعيد عن السكن، وبعض الأهالي ممن لا يتوفر لديهم حطب، يقومون بأخذ البلاستيك من السيارات، مثل كراسي السيارات، وإشعال النار فيها، وهذا يتسبب في ضررٍ للمنطقة، التي تنتشر فيها خيام النازحين، فرائحة المطاط المحترق تسبب اختناقًا وأضرارًا صحية".
وحذرت الأمم المتحدة، في منتصف فبراير الماضي، من أن تراكم النفايات في غزة أدى إلى مخاطر بيئية جسيمة تهدد صحة السكان، وأكدت المنظمة الدولية أن الوضع الصحي والبيئي في القطاع يتجه إلى حالة أكثر سوءًا، ما ينذر بتراكم الدمار البيئي الذي يؤثر على صحة أجيال من سكان قطاع غزة.
وقال أنيس عرفات المتحدث باسم وزارة المواصلات لوكالة "سبوتنيك": "ما بين 70% إلى 80% من المركبات في القطاع تضررت خلال الحرب، بشكل كلي أو جزئي، والمركبات المتواجدة على الطرقات تحولت إلى مكبات للنفايات، وهذا سبب أضرارًا جسيمة على صحة الناس".
وأضاف عرفات: "عملية التدوير حاليًا متوقفة بسبب عدم توفر الإمكانيات، فالمكابس التي كانت بحوزة الجهات التي كنا نتعاون معها تضررت أيضًا، ولهذا ننتظر تنفيذ خطتنا المستقبلية، التي تتمثل في تجميع المركبات المدمرة والمحترقة، وإزالتها من الطرقات وأماكن السكن".
وتقدر تقارير أممية أن الحرب التي استمرت أكثر من عامين على غزة خلفت أكثر من 61 مليون طن من الركام، ناتجة عن تدمير نحو 250 ألف مبنى ومنشأة، وأضاف برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن نحو 15% من هذا الركام قد يكون ملوثًا بدرجة عالية بالأسبستوس أو النفايات الصناعية أو المعادن الثقيلة.
وعلى مدار أكثر من سنتين من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تعرض القطاع للتدمير من أقصى الجنوب إلى آخر مكانٍ في الشمال، حيث دُمر القطاع الطبي، والمدارس والجامعات ودور العبادة، والبنى التحتية، والموارد الحيوية التي تدعم الحياة في القطاع، وتعرض 15 قطاعًا حيويًا في غزة للتدمير.
وبحسب الأرقام التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي في غزة، فقد ألقى الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على القطاع منذ بدء الحرب بعد السابع من أكتوبر 2023، وأعلن المكتب الحكومي أن نسبة الدمار في القطاع بلغت نحو 90%.