البعثة الأممية في ليبيا... مقترحات بلا إلزام وانتقادات لغياب النتائج
ماهر الشاعري
مراسل وكالة "سبوتنيك" في ليبيا
في ظل تعقيدات المشهد السياسي الليبي واستمرار حالة الانقسام، تعود مستجدات خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى واجهة النقاش مجددا، وسط تساؤلات متزايدة حول جدواها في تحقيق اختراق حقيقي نحو حل الأزمة.
Sputnikفبين المساعي الدولية لإعادة إطلاق العملية السياسية، والتحديات الداخلية المرتبطة بتباين المواقف بين الأطراف الليبية، يبرز دور البعثة الأممية كفاعل رئيسي في محاولة تقريب وجهات النظر، ودفع مسار الاستقرار، رغم الانتقادات التي تطول أداءها وحدود تأثيرها على الأرض.
يرى أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي، رمضان التويجر، أنه "من خلال متابعة التحركات وواقع الحال خلال الفترة الماضية، ومنذ قرابة سنة من تكليف اللجنة الاستشارية وإطلاق الحوار المهيكل، لا توجد نتائج تُذكر حتى اليوم، رغم أن هذه النتائج في الأصل غير ملزمة".
ويشير ذلك، بحسب رأيه في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إلى "وجود تخبط فعلي في خارطة الطريق التي رسمتها البعثة، وهو ما يعكس حالة من الانقسام الدولي حول الوضع في ليبيا بشكل عام، مع استمرار الوضع القائم دون تغيير، خاصة في ظل تقاطع مصالح الدول بشكل كبير في الوقت الراهن، نتيجة النزاعات العالمية".
وأضاف التويجر أن "حالة الصراع والنزاع على المستوى الدولي ألقت بظلالها بشكل واضح على الأزمة الليبية، مما ساهم في بقاء الأوضاع على ما هي عليه من انقسام سياسي وعسكري".
وأوضح أن "البعثة الأممية، رغم المقترحات المقدمة من اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، تبدو في حالة تخبط وعجز واضحين"، مرجعًا ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولهما استمرار النزاع الدولي، وثانيهما غياب رؤية واضحة بين الأطراف الليبية، إلى جانب عدم إطلاق حوار ليبي–ليبي حقيقي، وهو أمر بالغ الأهمية، خاصة بين الأطراف المسيطرة على الأرض، من أجل بناء جسور الثقة بعيدًا عن انتظار توافقات البعثة الأممية أو المجتمع الدولي أو الدول الكبرى".
وأكد التويجر أنه "كان من المفترض أن تتفق الأطراف الليبية على مبادرة موحدة، والتوجه بها إلى البعثة الأممية والدول المتصارعة، وتقديمها كخارطة طريق لتوحيد السلطة التنفيذية أو كخطة شاملة لإعادة الاستقرار إلى ليبيا، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن".
وبيّن أن "جميع الأطراف، على ما يبدو، في حالة ارتياح نسبي في مواقعها الحالية، وهو ما يفسر عدم دعم أي خارطة طريق جديدة"، ودعا في هذا السياق جميع الأطراف الليبية إلى "التفكير بشكل جدي في كيفية إخراج البلاد من أزمتها الراهنة، والعمل على تفعيل التواصل المباشر فيما بينها، من أجل صياغة خارطة طريق واضحة يتم تقديمها للبعثة الأممية والدول المعنية، مع الشروع في تنفيذها بشكل مباشر، وإلزام البعثة بدورها في دعم أي توافق ليبي – ليبي".
وأشار التويجر إلى أن "تحركات البعثة الأممية لا تمثل في الوقت الحالي أي فرصة حقيقية، بغض النظر عن النوايا الحسنة لموظفيها"، مؤكدا أن "البعثة لا تملك أدوات فعلية للتأثير في ظل تعارض الواقع على الأرض مع الطروحات النظرية".
وأكد أن "الحل يكمن في أحد خيارين: إما أن تتفق الأطراف الليبية بشكل مباشر على خارطة طريق واضحة وتقوم برفعها إلى البعثة الأممية لاعتمادها ودعمها، أو أن يتوصل المجتمع الدولي إلى توافق بشأن الملف الليبي".
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، محمد امطيريد، إن "ملامح خارطة الطريق التي طرحتها البعثة الأممية، من خلال اللجنتين الاستشارية والحوار المهيكل، تقوم على تشكيل لجان تقدم مقترحات دون أن تكون هذه المقترحات ملزمة أو مفروضة على الأطراف المتخاصمة".
وأضاف امطيريد في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "البعثة الأممية انتهجت ما وصفه بسياسة "الجزرة والسنارة"، من خلال طرح مبادرات تقدَّم فيها خيارات متعددة، بحيث يختار كل طرف ما يتوافق مع مصالحه، ومن خلال هذا النهج يمكن فهم بنود خارطة الطريق، خاصة أن اللجنة الاستشارية وضعت 4 مسارات، في حين أن الحوار المهيكل لم يعلن حتى الآن عن نتائجه ومخرجاته النهائية، إلا أن المؤشرات توحي بأنه يسير وفق الآلية ذاتها".
وأوضح أن "البعثة أعلنت أنها ستعرض نتائج هذه المخرجات على الأطراف الليبية المتخاصمة، على أن تبدأ لاحقا عملية تعديل النقاط الخلافية".
واعتبر أن "هذا الأسلوب يعكس غياب الصرامة لدى البعثة في التعامل مع الأزمة"، محذرا من أن "التهاون في هذا الملف قد يدفع الأطراف الليبية إلى المماطلة والدخول في حالة من اللامبالاة، كما حدث سابقا من قبل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة".
وأشار امطيريد إلى أن "البعثة تتعامل مع الأجسام السياسية الحالية باعتبارها جزءا من الحل، وليس خارج إطاره، رغم أنها لا تشرك هذه الأجسام بشكل مباشر في اللجان التي تشكلها، إذ تعتمد على شخصيات مستقلة، ثم تقوم لاحقًا بعرض مخرجات هذه اللجان على مجلسي النواب والدولة، الذين بدورهما يشكلان لجانًا لدراسة تلك المخرجات، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد العملية السياسية وتعقيدها".
وأكد أن "البعثة الأممية لم تنجح، خلال نحو 15 عاما، في إدارة الملف الليبي بشكل يؤدي إلى حلول حقيقية، بل اقتصر دورها بحسب وصفه على إدارة الأزمة بدلا من حلها".
ولفت امطيريد إلى عدد من النقاط التي تؤخذ على البعثة، "من بينها تعاملها مع المظاهرات التي خرجت، في مايو/أيار 2025، للمطالبة بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية، إذ لم تستجب لمطالب المتظاهرين، ولم تُدن الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، ولم تتخذ إجراءات ضد المسؤولين عنها".
وأضاف أن "البعثة ساهمت في تعقيد المشهد السياسي، من خلال إعادة إحياء المؤتمر الوطني العام السابق، وما ترتب عليه من إنشاء المجلس الأعلى للدولة ومنحه صفة استشارية مع بعض الاختصاصات، إلى جانب عدم التحقيق في شبهات فساد طالت بعض مسارات الحوار، وعدم نجاحها في تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية".
وشدد امطيريد على "ضرورة أن تدرك البعثة أن مجلسي النواب والدولة ليسا الفاعلين الرئيسيين في الأزمة"، معتبرًا أن "الحل يكمن في التعامل مع القوى المؤثرة على الأرض".
وأشار في هذا السياق إلى ما نُقل عن مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس، من أن الحل ينبغي أن يكون مع الأطراف صاحبة النفوذ الفعلي، باعتبار ذلك الطريق الأسرع لإنهاء الأزمة، بدلا من تعدد المسارات والأطراف التي لا تملك القدرة على الحسم.
وأوضح أن "على البعثة أن تتجه للتعامل مع القوى الفاعلة بشكل مباشر، مثل القيادة العامة للجيش الليبي، دون التوسع في إشراك عدد كبير من الأجسام الحكومية، وكذلك التواصل مع الجهات المسيطرة في غرب البلاد، والعمل على صياغة حلول جذرية للأزمة، وهو ما قد يفضي إلى نتائج ملموسة".
وفيما يتعلق بالتحركات الأممية الحالية، رأى امطيريد أنها "لن تكون كافية لإنهاء حالة الانقسام، لكنه أشار إلى وجود حراك دولي، خاصة من جانب أمريكا، بعد زيارات مستشار الرئيس الأمريكي، والتي تهدف إلى تقريب وجهات النظر، لا سيما في ظل اللقاءات التي جرت بين القيادة العامة وأطراف من حكومة الوحدة الوطنية، مع ترقب لنتائج هذه التحركات".
وقال محمد امطيريد إن "المسارات التي اعتمدتها البعثة في السابق تمثل تكرارًا لنفس السيناريوهات التي أثبتت فشلها، بدءا من حوار الصخيرات الذي لم ينهِ الأزمة، مرورا باجتماعات برلين الأولى والثانية التي لم تحقق تقدما حاسماا، وصولا إلى حوار جنيف الذي أُثيرت حوله شبهات فساد، وأسفر عن تشكيل حكومة لم تلتزم بتسليم السلطة، ما يعكس بحسب تعبيره عجز البعثة عن إيجاد حل نهائي للأزمة الليبية".