ووسط استقبال رسمي وشعبي لافت، عبّر ضيف الجزائر في كلمته الأولى عن سعادته بزيارة بلدٍ عريقٍ بتاريخه ونضاله، مشيدًا بروح التضامن التي يتميز بها الشعب الجزائري، مؤكدًا أن "هذه الزيارة ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل فرصة حقيقية لبناء جسور التفاهم بين الثقافات والأديان".
وتضمن برنامج الزيارة جملة من النشاطات الرمزية، أبرزها زيارة المعالم الدينية الكبرى وفي مقدمتها جامع الجزائر باعتباره ثالث أكبر جامع في العالم، وكنيسة السيدة الأفريقية بالعاصمة، كما تم عقد لقاءات مع شخصيات دينية وفكرية، بالإضافة إلى جلسات حوارية ركّزت على قضايا السلام والتسامح والتعاون الإنساني، كما تم التأكيد خلال هذه اللقاءات على أهمية دور الأديان في نشر قيم الاحترام المتبادل ونبذ التطرف.
وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في جامع الجزائر أمام البابا ليون: "يسعدني باسم الجزائر، شعبًا وحكومة ومؤسسات، أن أرحب بكم في أرض التاريخ العريق وتلاقي الحضارات، زيارتكم تختزل ما نتشاركه من طموحات وما نتقاسمه من تطلعات على أكثر من صعيد".
وأضاف: "مرحبًا بكم قداسة البابا في الأرض، التي أنجبت أبوكم الروحي وأحد أعظم أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية".
وأردف: "الجزائر تعتز بإرث القديس أغسطين، كما تعتز بإرث الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية، أنتم قداسة البابا خير نصير للعدالة الاجتماعية في زمن اتساع الهوّة بين الشمال والجنوب اقتصاديًا".
وأكّد الرئيس الجزائري، في كلمته، أن البابا ليون الرابع عشر، هو "خير مدافع عن السلام في وقت تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار عديد المناطق في مقدمتها الشرق الأوسط"، وقال: "نحن ممن يجدون العزاء في موقفكم الشجاع والإنساني من مأساة غزة ومن مآسيها، ندعو بصوت واحد مع قداستكم كل الضمائر الحيّة في العالم إنصاف الشعب الفلسطيني بتمكينه من الإغاثة والحدّ من الجرائم الممنهجة والمسلّطة عليه ولإعلاء حقه غير القابل للتصرف أو التقادم لإقامة دولته، صوتنا يتقاطع مع صوتكم للدعاء بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان لتجاوز محن الظلم والعدوان".
وهذه ليست الزيارة الأولى لليون الرابع غشر للجزائر، فقد زار الجزائر سابقا كقديس، ففي مايو/ أيار 2001، قام بزيارة إلى سوق "أهراس" بهدف المشاركة في ملتقى دولي حول القديس أوغسطين، إذ كان يشغل حينها منصب الرئيس العام للرهبنة الأوغسطينية، وكانت الزيارة الثانية في عام 2013، حيث زار عنابة في نهاية أشغال ترميم كنيسة السلام، واسمه موجود على اللوحة التذكارية الخاصة بترميم كنيسة القديس أوغسطين، وتأتي زيارته الثالثة اليوم بصفته البابوية.
وفي كلمته بالمناسبة، قال البابا ليون الرابع عشر، في ساحة رياض الفتح، أمام الوفود الحاضرة لاستقباله: "الجزائر بلد نبيل له تاريخ عريق وغني بتقاليده يمتد منذ زمن القديس أغسطينوس وقبل ذلك بكثير. تاريخ الجزائر عرف الألم وعانى من فترات عنف لكنكم عرفتم كيف تتجاوزون كل ذلك بشرف وشجاعة، في هذه الأرض ملتقى الثقافات والأديان يشكل الاحترام المتبادل الطريق، الذي يمكّن الشعوب من السير معًا".
وأضاف: "أرجو أن تبقى الجزائر القوية بجذورها وأمل شبابها قادرة على مواصلة إسهامها في ترسيخ الاستقرار وتعزيز الحوار داخل المجتمع الدولي وعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط".
وقال محمد دومير، الباحث في التاريخ لوكالة "سبوتنيك": "يقوم البابا ليو الرابع عشر، بزيارة تاريخيه إلى الجزائر، ونحن في جامع الجزائر، لاستقباله مع الرئيس، هذه الزيارة مرتقبة منذ أكثر من سنة، حيث طلب البابا فور توليه حكم الفاتيكان ومنصب قداسة البابا في الفاتيكان، من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، زيارة الجزائر، وأهداه الرئيس الجزائري غصنًا من شجرة الزيتون الموجودة في سوق أهراس، والتي تسمى زيتونة "أوغوستين"، وتلك الشجرة تحمل رمزية أتباع القديس أغسطين عبر العالم".
وأضاف أن "لهذه الزيارة أبعاد روحية وتاريخية مهمة جدا، العالم الكاثوليكي، الذي يتبع المنهج الأوغوستيني، وهو منهج متجدد برز من شخصية جزائرية وكان أسقفا لكنيسة عنابة، في القرن الرابع للميلاد، وهذا نثمنه ونستثمر فيه للتعريف بعمق الجزائر وتاريخها".
وتأتي هذه الزيارة في سياق عالمي يشهد تحديات متزايدة، ما يجعل من الحوار بين الأديان ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى، وقد اعتبر مراقبون أن اختيار الجزائر كوجهة لهذه الزيارة يعكس مكانتها كجسر حضاري بين العالمين الإسلامي والغربي.