هنا، لا يتعلق الأمر بموسم زراعي عابر، بل بطقس اجتماعي وثقافي ضارب في القدم، تتداخل فيه الحرفة بالموروث الزراعي للمدينة، والعمل اليومي بإرث العائلة، فتقطير الورد، الذي اشتهرت به محافظة نابل ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو مرآة لذاكرة جماعية تتناقلها النساء جيلا بعد جيل.
وسط هذا المشهد، تبرز قصة السيدة حليمة، وهي امرأة في الخمسين من عمرها، ما تزال تحافظ على الطقوس نفسها التي تعلمتها منذ طفولتها، بالنسبة لها، لا يبدأ التقطير في المعصرة، بل في الحقل، عند أول لمسة لليد للوردة.
تقول حليمة في حديث لـ "سبوتنيك": "الورد يجب أن يُقطف باكرا قبل أن تلامسه أشعة الشمس، إذ يكون في ذلك الوقت محافظا على رائحته وزيوته، ومن هنا تبدأ رحلة طويلة، تنتهي بقارورة صغيرة تختزل كل هذا الجهد".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
ذاكرة متوارثة من الجدة إلى الحفيدة
تحكي حليمة لـ "سبوتنيك" قصّتها مع الورد كما لو كانت تستعيد فصولا من كتاب عائلي قديم، تقول: "كانت جدتي تقطّر الورد في منزلها، وكذلك أمي، وقد تعلمت ذلك وأنا صغيرة، إذ كنت أراقبهما وأساعدهما".
في فناء منزلها ما تزال حليمة تستعمل "القطّار" النحاسي القديم نفسه، الذي تقول إنه يعود إلى أكثر من ستين سنة، تضع الورد في القدر، تضيف الماء، ثم تغلق الجهاز بإحكام قبل إشعال النار تحته. العملية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى دقة وصبر كبيرين، وتضيف حليمة: "لا يمكن الاستعجال في عملية التقطير، بل يجب منحها الوقت الكافي حتى يخرج ماء الورد صافيا ومركزا".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
وتتابع وهي تراقب أولى قطرات ماء الورد: "هذه ليست مجرد مهنة، بل هي حكاية عائلة. في كل مرة أبدأ فيها التقطير أشعر وكأنني أعود إلى زمن جدتي". بالنسبة لها، لا تكمن قيمة هذه الحرفة فقط في منتوجها، بل في ما تحمله من معان ودلالات، إذ تتحول عملية التقطير إلى لحظة استحضار للذاكرة.
في محافظة نابل، لا تختلف قصة حليمة كثيرا عن قصص عشرات النساء اللواتي وجدن في تقطير الورد امتدادا طبيعيا لحياتهن اليومية.
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
الورد كهوية محلية
تعد محافظة نابل من أبرز المناطق التونسية التي ارتبط اسمها بتقطير الورد، حتى أصبحت تعرف بكونها "مدينة الورد". فخلال موسم الجني، الذي يمتد عادة بين شهري أبريل/نيسان ومايو/ أيار، تتحول المنطقة إلى ورشة مفتوحة، حيث تنشط حركة الجمع والتقطير في البيوت والمعاصر التقليدية.
وتوضح حليمة أن "الورد المستعمل هو الورد العربي المعروف برائحته القوية وقدرته على إنتاج ماء ورد عالي الجودة، وليس كل ورد يصلح للتقطير، بل يجب أن يكون من نوع معيّن، وإلا فلن يعطي النتيجة نفسها".
في هذه الفترة، لا تقتصر الحركة على الفلاحين فقط، بل تمتد لتشمل الزوار والسياح الذين يأتون لاكتشاف هذه الحرفة عن قرب، وتضيف حليمة: "يأتي كثير من الناس لمشاهدة طريقة عملنا، ويشترون ماء الورد لأنه طبيعي ولا يحتوي على أي مواد كيميائية".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
نساء يصنعن العطر بطريقتهن الخاصة
غير بعيد عن وسط مدينة نابل، وفي مدينة "بني خيار" المجاورة لها، تروي "سعاد" لـ "سبوتنيك"، قصة مختلفة مع الورد، لكنها لا تقل عمقا. سعاد، وهي امرأة في الأربعين من عمرها، لم ترث الحرفة بشكل مباشر، بل عادت إليها بعد سنوات من العمل في مجالات أخرى.
وتقول: "في الأصل لم أتعلم التقطير وأنا صغيرة، لكن بعد أن تزوجت بدأت أتعلم هذه الحرفة من جارتي"، وتضيف: "في البداية كنت أرتكب العديد من الأخطاء، فكان ماء الورد يخرج خفيفا أو لا تكون رائحته قوية، لكن مع مرور الوقت تعلمت".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
بالنسبة لسعاد، يمثل تقطير الورد أيضا مصدر دخل مهم لها فهي تبيع جزءا من إنتاجها في الأسواق المحلية، وتخصص جزءا آخر لطلبات خاصة، وتقول: "الناس تُقبل على شراء ماء الورد الطبيعي، خاصة في الأعراس وخلال شهر رمضان، حيث يستعمل في الحلويات وفي العطور".
وتضيف: "صحيح أنها حرفة تقليدية، لكنها يمكن أن تكون أيضا مصدرا للرزق إذا أحسن استغلالها والعمل عليها جيدا، فهذه الحرفة لا تقتصر على كونها إرثا ثقافيا، بل تحولت أيضا إلى نشاط اقتصادي يساهم في تحسين دخل العائلات، خاصة في المناطق الريفية".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
الشارع المعطر.. الورد في قلب مدينة نابل
وفي قلب مدينة نابل، وتحديدا في شارعها الرئيسي، يتجلى حضور الورد بشكل مختلف هنا، لا نرى الحقول ولا أجهزة التقطير، بل قوارير مصطفة بعناية، وألوان زاهية تجذب المارة، وروائح تختلط لتشكل مزيجا عطريا فريدا.
"محمد"، وهو بائع ورد منذ أكثر من عشرين سنة، يصف هذه الفترة بأنها "موسم الذروة". ويقول لـ "سبوتنيك: "عند قدوم موسم الورد، يتغير الشارع بأكمله، فتشم رائحة الورد والعطرشية والزهر ويصبح كل شيء معطرا".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويضيف: "الإقبال يكون كبيرا، سواء من السكان المحليين أو من الزوار، حيث يشتري الناس للاستخدام المنزلي، وللأعراس، وحتى السياح يرغبون في اقتناء قوارير صغيرة كتذكار"، مشيرًا إلى بعض التحديات، مثل "ارتفاع كلفة الإنتاج وتغيّر العادات الاستهلاكية، حيث توجد منافسة من المنتجات الصناعية، لكن الورد الطبيعي يبقى دائما محافظا على مكانته".
ويختم حديثه، قائلا: "الورد ليس مجرد تجارة، بل هو جزء من روح تونس ككل ومن دونه، تشعر بأن البلاد ينقصها شيء".
من الحقول تونس إلى القوارير.. تقطير الورد حرفة تقليدية تتوارثها النساء
© Sputnik . Mariam.Gadera
وبين الحقول والقوارير، وبين ذاكرة الجدات وأحلام الحفيدات، تستمر حرفة تقطير الورد في محافظة نابل التونسية كخيط غير مرئي يربط الماضي بالحاضر، هي قصة نساء يحفظن العطر في زجاجات صغيرة، لكنها في الحقيقة تحفظ تاريخا كاملا من العادات والتقاليد، وتعيد كتابته كل ربيع بنفس الشغف ونفس الرائحة.