يرى مراقبون أن المشهد الحالي والزيارات الخارجية، وآخرها زيارة البرهان إلى الرياض، تعطي مؤشرات بأن هناك تحركات جادة هذه المرة إقليمية ودولية من أجل حل الأزمة، ويبرهن أيضًا أن هناك مسودة يجري الإعداد لها عن طريق الرباعية في واشنطن، وأن ما حدث مؤخرًا من اجتماع للقوى السياسية السودانية والعديد من الدول في برلين هو رسالة دولية بضرورة وقف الحرب وحل الأزمة في أقرب وقت.
هل نشهد نهاية قريبة للصراع في السودان بعد أن تحرك العالم أخيرا؟
يجري الحديث عن التجهيز لجولة مفاوضات بين الجيش والدعم السريع برعاية الرباعية.. هل يتراجع الطرفان خطوات إلى الخلف ويتقبلان الجلوس للتفاوض لوقف الحرب بعد تأكيدات على استحالة الحل العسكري في السودان؟
بداية، يقول الفريق جلال تاور، الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، إن هناك بعض الأحاديث غير المؤكدة على أنه يجري التحضير لجولة أخرى من المفاوضات، وهذه الأنباء جاءت أولًا على لسان أحد العائدين الذين شاركوا في مؤتمر برلين الذي عُقد قبل أيام في ألمانيا، ويبدو أنه سمع شيئًا من هذا القبيل هناك.
مؤشرات إيجابية
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "رئيس الوزراء كامل إدريس صرح قبل أيام، وأشار في حوار مع وسيلة إعلام خليجية إلى أنه سيكون هناك حوار مفتوح الأيام القادمة بين السودانيين، ولعله يقصد السياسيين ومشاركتهم في الحل، باعتبار القضية السودانية لكل من يرغب في ذلك".
وتابع تاور: "كل العالم اليوم يشهد زيارة السيد الرئيس البرهان إلى المملكة العربية السعودية لمقابلة الأمير محمد بن سلمان، وهذه مؤشرات، إذا تم ربطها ببعضها البعض، قد توحي بأن هناك تحركًا لإيجاد حل لهذه الأزمة السودانية التي دخلت عامها الرابع، و بالقطع السعودية صاحبة باع طويل في هذه المسألة".
وأوضح الخبير العسكري أن المملكة العربية السعودية هي الوحيدة التي تم من خلالها أول جولة تفاوض في بداية الحرب فيما يعرف بـ"منبر جدة"، أضف إلى ذلك مبادرة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، التي طرحها خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل أشهر، في حضور الرئيس الأمريكي ترامب، حيث طالب بضرورة حل الأزمة السودانية ووقف الحرب، وجميع المؤشرات الراهنة والسابقة تشير إلى أن شيئًا من هذا يمكن أن يحدث.
الحوار المرتقب
وتوقع تاور أن يكون الحوار المرتقب على شقين: الشق السياسي والشق العسكري، لكن الأهم أن يتم البناء على ما تم الاتفاق عليه في "منبر جدة" الذي يعلم الجميع بنوده، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الحكومة السودانية حتى الآن متمسكة بأنه لا تفاوض مع الدعم السريع، العسكرية المنصوص عليها في "منبر جدة"، أما الحوار السياسي، والذي يريده وينتظره رئيس الوزراء، فلعله يسير أيضًا بطريق آخر داخل السودان ومن عدة أطراف.
ولفت تاور إلى أن الحديث الآن يدور حول المعالجات السياسية وإلغاء المطاردات الجنائية للمعارضين السياسيين المتواجدين بالخارج، وفق ما صرح به رئيس الوزراء، وهذه أيضًا إشارة واضحة جدًا إلى أن السودان مقبل على الدخول في حوارات، إن لم نقل مفاوضات وحوارات وإسهامات بين جميع الأطياف السياسية للوصول إلى صيغة موحدة، وسوف تكشف الأيام القليلة القادمة ما يجري في الجانبين أو شقي التفاوض، سواء الجانب العسكري أو الجانب السياسي.
التقارب في وجهات النظر
بدوره، يقول د. عادل عبد الباقي، رئيس منظمة الدفاع المدني السودانية، إن الحرب في السودان إلى أنفاسها الأخيرة، مع التطورات الجارية على الجانبين العسكري والسياسي، إضافة إلى التغيرات الدولية فيما يخص الحروب الجارية، والتي انعكست سلبًا على مجرى العمليات العسكرية في السودان.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "منذ اندلاع الحرب في 15 إبريل/نيسان 2023، عجزت أطراف الصراع المتمثلة في الجيش السوداني والدعم السريع وكل التنظيمات العسكرية المتحالفة معه عن الحسم العسكري، والآن على أرض الواقع نجد أن الحسم العسكري أصبح استحالة أو شبه مستحيل لكلا الطرفين، علمًا بأن أطراف الصراع في الوقت الراهن فقدوا 75 بالمئة من قواهم اللوجستية والعسكرية والإقليمية التي تدعمهم".
وتابع عبد الباقي: "رغم كل المبادرات الدولية والإقليمية لإحلال السلام العاجل في السودان خلال السنوات الماضية، إلا أن جميع المبادرات والوساطات فشلت في خلق أي نوع من التقارب في وجهات النظر بين أطراف الصراع، في ظل تعنت الأطراف على استمرارية الصراع المسلح في السودان".
ولفت عبد الباقي إلى أن التحركات والتصريحات الحالية تشير إلى أن هناك قبولًا غير معلن صراحة من أطراف الصراع للجلوس إلى التفاوض، وهو ما قد نشهد تأثيره خلال الفترة القادمة.
تطورات خطيرة
من جانبه، يقول القيادي وعضو المكتب الإعلامي في "المقاومة الشعبية السودانية" خليل حسن الضو، إن الحديث عن مفاوضات بين الجيش والمليشيا غير صحيح، غير أن الذي صرح به رئيس مجلس السيادة هو قبول مخرجات جدة.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "المليشيات الآن في أضعف حالها، وإن كانت هناك مفاوضات ستكون بشروط القوات المسلحة، وهي تسليم جميع العتاد العسكري، واسترجاع المنهوبات، ومحاكمة القيادات الميدانية للمليشيات".
وأكد الضو أن "الضربة القاضية التي تلقتها المليشيا قبل الهزائم المتتالية في الدبيبات وكازقيل والشواية هي تسليم الرجل الثالث بالمليشيا نفسه إلى القوات المسلحة، ومعه عدد 80 عربة بكامل عتادها العسكري والمقاتلين، حيث يعتبر (النور القبة) الذي انضم للجيش الرجل الثالث في صفوف الجنجويد، وهو من المؤسسين لهذه المليشيا، بمعنى رجل لا يستهان به، فهو ابن هذه المليشيا من ناحية قبلية ومن ناحية قيادية".
وتابع القيادي: "طالما الرجل الثالث سلم نفسه، فهذا انهيار تام للمليشيا، وكشف زيف الترابط الداخلي لها، لذلك نعيد ونكرر: إذا كانت هناك أي مفاوضات لن تخرج عن شروط مخرجات جدة، وهذا ما تريده القوات المسلحة والشعب السوداني، أما مفاوضات خلاف مخرجات جدة فلن يقبل بها أحد".
ولفت الضو إلى أن "الانسلاخات المتكررة في صفوف المليشيا لن تتوقف، والآن يوجد عدد 5 قادة ميدانيين تم التواصل معهم لتسليم أنفسهم، المليشيا حرفيًا انهارت، وقريبًا سوف ترون ذلك بأم أعينكم".
ويشهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 اشتباكات عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وكان الجيش قد أعلن في مارس/آذار الماضي أنه طرد المتمردين من العاصمة الخرطوم، فيما كثفت قوات الدعم السريع هجماتها في غرب وجنوب البلاد في أبريل، معلنة تشكيل حكومة منافسة.
وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على هدنة إنسانية كجزء من مبادرة اقترحتها الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، غير أن الجيش لم يوافق على الاقتراح بصيغته الحالية، واستمر القتال منذ ذلك الحين.