برلماني جزائري لـ"سبوتنيك": فرنسا تريد العودة إلى الجزائر من بوابة الاقتصاد

حلّ رئيس منظمة أرباب العمل الفرنسية باتريك مارتان في العاصمة الجزائرية على رأس وفد اقتصادي يضم نحو أربعين من كبار رجال الأعمال ومسؤولي المؤسسات الفرنسية.
Sputnik
وفي زيارة وصفت بأنها الأهم على مستوى التعاون الاقتصادي بين الجزائر وفرنسا منذ أشهر طويلة من الفتور السياسي، شرع الوفد منذ الساعات الأولى لوصوله في سلسلة لقاءات مكثفة مع كبار الفاعلين الاقتصاديين الجزائريين يتقدمهم رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى ووزير الصناعة يحيى بشير.
وفي السياق، قال البرلماني علي ربيج لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية "سبوتنيك"، إن الزيارة تحمل طابعا اقتصاديا بحتا، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية، الشركات الفرنسية اليوم تشعر أنها الخاسر الأكبر في الأزمة، فمنذ اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء الغربية سنة 2024 ، هناك تراجع رهيب في تواجد الشركات الفرنسية في الجزائر التي منذ عهد قريب وصلت أربعة آلاف شركة في البلاد، ولكن بسبب التوتر بين البلدين وطرد السفراء عرفت هذه العلاقات تدهورا وتراجعا في الفوائد واستثمارات هذه الشركات لصالح الاستثمارات الإيطالية والإسبانية والألمانية وغيرها.

وأكد المتحدث أن هذه الزيارة تقفز من الباخرة، وتقول إنها غير مسؤولة عن الوضع في العلاقات، وأن القرارات السياسية لا تعنيها، لهذا يحاول أرباب العمل الفرنسيين فتح صفحة جديدة مع السلطات، وأتوقع أن تتعامل الجزائر بإيجابية مع هذه الشراكات والمستثمرين، لأن أصل المشكل هو سياسي وليس اقتصادي.

وبحسب المعطيات الأولية، فإن رئيس حركة المؤسسات الفرنسية، وهي أكبر منظمة تمثل أرباب العمل في فرنسا، لم يصل إلى الجزائر في مهمة بروتوكولية أو استكشافية عابرة، بل في إطار تحرك اقتصادي منظم يهدف إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، بعد أن أثبتت الأشهر الماضية أن البرود السياسي لم يبق محصورًا في البيانات الدبلوماسية، بل امتد إلى مصالح الشركات والعقود والمشاريع المشتركة.
بوابة الجزائر إلى عمق أفريقيا.. كيف يعيد الميناء البحري رسم خريطة التجارة في الساحل؟
وفي أولى محطات الزيارة، عقد باتريك مارتان اجتماعًا مطولًا مع رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى، خصّص لبحث سبل إعادة تنشيط مجلس الأعمال الجزائري الفرنسي وإزالة العراقيل التي عطلت عددًا من المبادرات الاستثمارية، إلى جانب مناقشة آليات تسهيل الشراكات بين المؤسسات الخاصة في البلدين، خاصة في القطاعات التي تراهن عليها الجزائر ضمن إستراتيجيتها الجديدة لتنويع الاقتصاد.
كما التقى الوفد الفرنسي بوزير الصناعة يحيى بشير، في اجتماع حمل طابعًا تنفيذيًا أكثر وضوحًا، حيث دخل الطرفان في مناقشة ملفات صناعية حساسة تتعلق بفرص التعاون في مجالات الصناعة التحويلية، الميكانيك، الصناعات الصيدلانية، الصناعات الغذائية، النقل واللوجستيك، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالطاقات المتجددة والرقمنة.
وخلال هذا اللقاء، حرص الجانب الجزائري على التأكيد بأن المرحلة الحالية لم تعد تسمح بنمط الشراكة القديم القائم على تصدير المنتجات الفرنسية الجاهزة إلى السوق الجزائرية، بل إن الأولوية أصبحت للمشاريع التي تتضمن تصنيعًا محليًا، ونقلًا للتكنولوجيا، ورفعًا لنسبة الإدماج، وخلقًا لمناصب شغل حقيقية.
ويضم الوفد الذي يقوده باتريك مارتان ممثلين عن شركات تنشط في قطاعات استراتيجية تشمل الصحة، النقل، البناء، الصناعة الغذائية، الخدمات المالية، التكنولوجيا والطاقة، ما يكشف أن باريس دفعت هذه المرة بواجهة اقتصادية ثقيلة في محاولة لإعادة تثبيت موطئ قدمها داخل الجزائر، في وقت تعرف فيه المنافسة الأجنبية تصاعدًا ملحوظًا.
ومن هنا، تبدو زيارة وفد أرباب العمل الفرنسيين أقرب إلى محاولة اقتصادية لاستدراك ما خسرته باريس سياسيًا وتجاريًا خلال الفترة الماضية، خاصة وأن فرنسا باتت تدرك أن الجزائر لم تعد السوق السهلة التي تنتظر الشريك التقليدي، بل أصبحت فضاءً اقتصاديًا مفتوحًا على تعدد الخيارات والمنافسين.
تراثنا حضارتنا… حين تتحدث الجزائر بلغة التاريخ
ورغم الطابع الإيجابي الذي طبع اللقاءات، إلا أن المؤشرات الصادرة عنها تؤكد أن الجزائر استقبلت الوفد الفرنسي بعقلية مختلفة تمامًا عن السابق؛ فالأمر لم يعد متعلقًا باستعادة المبادلات التجارية فحسب، بل بمدى استعداد الشركات الفرنسية للانخراط في شراكات صناعية حقيقية تخدم التوجه الجزائري نحو السيادة الإنتاجية.
وتراهن السلطات الجزائرية في المرحلة المقبلة على جلب المستثمر الذي يصنع داخل البلاد وينقل المعرفة ويمنح الاقتصاد الوطني قيمة مضافة، لا المستثمر الذي يكتفي بالبيع وجني الأرباح، وهو ما يضع الشركات الفرنسية أمام معادلة واضحة: إما التكيف مع قواعد السوق الجديدة، أو القبول بدور أقل تأثيرًا في واحدة من أهم الأسواق المغاربية والإفريقية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه التحركات من اتفاقيات واستثمارات ملموسة، يبقى المؤكد أن باريس اختارت أن تطرق باب الجزائر من جديد، ليس عبر السياسة هذه المرة، بل عبر المال والمصالح… وهي اللغة التي تبدو الأكثر قدرة على فتح الأبواب المغلقة.
مناقشة