في زاوية ضيقة في مستشفى ناصر الطبي في خان يونس جنوبي قطاع غزة، وعلى سرير المرض يرقد النازح مصعب أبو طعيمة يراقب جسده الذي يتأكل أمام عينيه، ولا يستطيع معرفة السبب أو أن يجد سبيلا للعلاج.
ويقول مصعب أبو طعيمة لوكالة "سبوتنيك": "في بداية الأمر شعرت بألم في أصابعي، ثم أصبح الألم يسوء، وتغير لون أصابع يدي إلى اللون الأسود، وهنا في المستشفى عملوا لي كل التحاليل، لكن لم يتم تحديد مرض معين، وهل السبب نقص الأكسجين أو نقص الدم؟".
وأضاف: "أنا مريض سابقًا بجلطة، ومريض ضغط، حالتي ساءت في المستشفى، لأن الأطباء لا يستطيعون تشخَّيص مرضي، ولا نعرف السبب، هذه الفترة قصيرة، تقريبا 20 يومًا تغيرت حالتي الصحية بهذا الشكل، حتى أصبحت الأطراف كلها متضررة كما ترى".
ويتابع: "العلاجات والأدوية التي أعطوني إياها لم تفدني، والمرضى ينظرون إلى حالتي ولم يتم تشخيصها، وجسدي يذوب كل يوم، لقد تأثرت أطرافي مرة واحدة، وأصبح الأمر واضحا للناس كلهم، ولا أستطيع تحمل ما يحدث لي".
مصعب أبو طعيمة يتآكل جسده ببطء في انتظار أمل للعلاج خارج غزة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويشير الطبيب في مستشفى ناصر والمشرف على حالة أبو طعيمة، محمد الشاعر، إلى أن "مصعب يعاني من مرض جلدي نادر يُعرف طبياً بآثاره التدميرية على الأنسجة، حيث يؤدي إلى تقرحات شديدة وعميقة تجعل الجلد يتساقط وكأنه يذوب عن العظم".
ويؤكد الشاعر، في حديث لـ"سبوتنيك"، أنه "مع انعدام البيئة الصحية المناسبة، وتحول خيام النازحين إلى بؤر للتلوث، تفاقمت حالة مصعب لتصل إلى مرحلة تعفن الأنسجة، مما يهدد بانتقال العدوى إلى أعضاء جسده الحيوية وفشل وظائفها".
ويضيف: "المريض مصعب جاء إلى المستشفى مصاب بإزرقاق في أصابع اليد، لكن حالته الصحية تطورت بشكل كبير جدا، وأدت إلى حدوث غرغرينا في أصابع اليدين كلتيهما، وفي كلتا القدمين".
مصعب أبو طعيمة يتآكل جسده ببطء في انتظار أمل للعلاج خارج غزة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويتابع الشاعر: "الأدوية التي يمكن استخدامها في هذه الحالات هي أدوية مناعية، وهذه غير متوفرة بشكل كبير في قطاع غزة، بالإضافة إلى المواد التشخيصية والفحوصات المخبرية التي تؤدي إلى تشخيص واضح ودقيق للحالة، وعلاج مناسب لها، كلها غير متوفرة، ويوجد أمراض كثيرة جدا لا تتوفر لها أساليب التشخيص أو أساليب العلاج".
ويؤكد الشاعر، أن "وجود مصعب في قطاع غزة هو بمثابة حكم بالموت البطيء، فالقطاع يفتقر تماما للأدوية المناعية، والمضادات الحيوية الخاصة، وغرف التعقيم التي يحتاجها مريض بمثل حالته، في ظل قطاع صحي مدمر".
مصعب أبو طعيمة يتآكل جسده ببطء في انتظار أمل للعلاج خارج غزة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويتابع: "نعاني من توقف التحويلات الطبية للخارج بشكل كبير، حيث نكتب للمريض تحويلًا، ثم تمضي فترة ينتظر فيها المريض السفر للعلاج في الخارج، رغم أننا نكتبها بشكل عاجل جدا لإنقاذ طرف أو إنقاذ حياة، فنجد أن إنقاذ الطرف ينتظر لمدة ستة أشهر والمريض لم يخرج بعد للعلاج، فتضيع فترة إنقاذ الحياة، ويخضع المريض للبتر، أو تؤدي إلى وفاة المريض".
ولا يوجد من يعيل عائلة مصعب أبو طعيمة النازحة في خان يونس، مما كان له الأثر الكبير على نفسية مصعب، خاصة عندما يراه أطفاله الستة، وهو بحالة صحية صعبة.
مصعب أبو طعيمة يتآكل جسده ببطء في انتظار أمل للعلاج خارج غزة
© Sputnik . Ajwad Jradat
ويقول أبو طعيمة: "أتمنى العلاج في الخارج، وأتمنى لكل مريض لا يستطيع مغادرة القطاع، أن يسهّل الله له الأمر، فلا يوجد علاج هنا، وحتى المستلزمات الطبية شحيحة، وأنا من أمس أعاني من نقص في الشاشة، أرادوا تغيير الشاشة على أطرافي، لكنهم لم يجدوا".
ويضيف: "عندي ستة أولاد وأنا معيلهم، وعمري 46 سنة، عاجز وجسدي يتآكل ومن المتوقع أن أكون معاقا، لكن ما يؤلمني أكثر هي وضع عائلتي في ظل حالتي الصحية الصعبة".
مصعب أبو طعيمة يتآكل جسده ببطء في انتظار أمل للعلاج خارج غزة
© Sputnik . Ajwad Jradat
وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن قرابة 21,500 مريض وجريح في قطاع غزة ينتظرون التحويل للعلاج خارج القطاع، بينهم حالات حرجة، في ظل عجز المنظومة الصحية عن التعامل مع الحالات المعقدة والنادرة، ويواجه مرضى غزة منعا، مشددا عل السفر من أجل العلاج في الخارج، مع استمرار إغلاق معبر رفح البري، مما يفاقم الأوضاع الصحية لآلاف الجرحى والمرضى ويهدد حياتهم بشكل مباشر.
ووفق الإحصائية الصادرة عن المكتب الحكومي بغزة، فقد دُمر أو تعطّل 38 مستشفى في أنحاء قطاع غزة، ويزداد الوضع الصحي خطورة في كافة أنحاء القطاع، ومن بقي من المستشفيات العاملة في غزة، لا تستطيع الاستمرار في تقديم الخدمة الصحية للمواطنين سوى بشكل جزئي.