الهجرة غير الشرعية في ليبيا... تعقيدات أمنية وتحديات "الاستقرار المؤقت"

تشهد ليبيا تزايدًا ملحوظًا في أعداد المهاجرين غير الشرعيين، في ظل تحولات جعلت منها محطة عبور رئيسية نحو أوروبا وأحيانًا وجهة للاستقرار المؤقت، هذا الواقع ألقى بظلاله على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وأثار مطالبات متصاعدة من منظمات المجتمع المدني بضرورة ترحيل المهاجرين غير المسجلين وتنظيم وجودهم.
Sputnik
وفي المقابل، تجد الأجهزة الأمنية نفسها أمام تحديات معقّدة تتعلق بضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب وإدارة مراكز الإيواء إلى جانب الدفع نحو برامج العودة الطوعية كأحد الحلول المطروحة للتخفيف من حدة الأزمة.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم، في حديث خاص لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية "سبوتنيك"، إن "تناول ملف تزايد أعداد المهاجرين في ليبيا، وقضية الهجرة غير الشرعية عمومًا، يجب أن يتم بقراءة متوازنة وواقعية بعيدًا عن الخطاب الانفعالي".

وأوضح أن "ليبيا ليست الوجهة النهائية للمهاجرين، بل تعدّ دولة عبور من أفريقيا نحو أوروبا، لكنها تحوّلت للأسف إلى محطة رئيسية للاستقرار المؤقت، ما خلق تعقيدات وأزمات متعددة أمام الدولة الليبية تشمل الجوانب الأمنية والإنسانية والاجتماعية والسياسية".

وأشار إلى أن "هذا الملف يدار سياسيًا أحيانًا كأداة ضغط على الدول الأوروبية لتحقيق مكاسب معينة في ظل غياب إستراتيجية وطنية موحّدة نتيجة الانقسام السياسي، حيث يتم التعامل معه بردود فعل واجتهادات متفرقة بدلًا من إدارته، وفق رؤية واضحة وشاملة".
وأضاف أن "تزايد أعداد المهاجرين شكل ضغطًا كبيرًا على الأجهزة الأمنية خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية الصعبة لليبيا واتساع حدودها وانتشار شبكات التهريب المنظمة ورغم الجهود المبذولة في إدارة مراكز الإيواء ومكافحة التهريب وملاحقة المتورطين، تبقى الإمكانيات محدودة مقارنة بحجم التحديات ما يستدعي شراكات حقيقية مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي".
مبادرة بولس في ليبيا... فرصة للحل أم مجرد جدل سياسي؟
وأوضح المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم، أن "خيار الترحيل الطوعي يطرح كحل عملي في المرحلة الحالية لتخفيف الضغط الناتج عن الأعداد الكبيرة من المهاجرين، والتي تقدر بمئات الآلاف إلا أنه يظل حلًا جزئيًا لا يعالج جذور الأزمة ويتطلب دعمًا دوليًا نظرًا لتكلفته الإنسانية والمادية"، وأكد أن "ليبيا سعت إلى الالتزام بالمعايير الإنسانية والدولية في التعامل مع هذا الملف لكنها تحتاج إلى دعم أكبر لتتمكن من إدارة الأزمة بشكل فعّال".
وبيّن أن "هذا الوضع أفرز حالة من السخط الاجتماعي نتيجة الضغط على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم وفرص العمل، وهو ما بدأ المواطن الليبي يلمسه بشكل مباشر، كما أن غياب إطار قانوني واضح يحدد وضع المهاجر غير الشرعي وآليات التعامل معه زاد من حدة التوترات وأثّر على فرص المواطنين في سوق العمل".

ولفت بلقاسم إلى "وجود أعداد كبيرة من المهاجرين غير المسجلين ما يثير مخاوف أمنية واجتماعية ويعزز الشعور بضعف حضور الدولة لدى بعض المواطنين، الأمر الذي أدّى إلى تصاعد المطالب بترحيلهم خاصة غير المسجلين منهم".

وفي ختام حديثه، شدد بلقاسم على أن "الهجرة ظاهرة طبيعية لا يمكن إيقافها بشكل كامل لكن من الضروري إدارتها بعقلانية من خلال حلول متعددة ومستدامة بعيدًا عن التوظيف السياسي"، كما دعا إلى "التفكير في مشاريع يمكن أن تستوعب جزءًا من هذه العمالة داخل السوق الليبي، الذي قد يستوعب مئات الآلاف من الوظائف مقابل العمل على برامج العودة الطوعية لبقية الأعداد التي لا يمكن استيعابها".
ومن جانب آخر، قالت منسقة حراك "نشطاء طرابلس لا للتوطين" سالمة الشعاب، في حديث خاص لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية "سبوتنيك"، إن "الأزمة التي تعاني منها ليبيا حاليًا تتمثل في تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين عبر الصحراء من دول جنوب الصحراء، في ظل وضع سياسي وأمني هش تعيشه البلاد وانقسام في مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة".

وأوضحت الشعاب أن "دخول هؤلاء المهاجرين يتم غالبًا دون أوراق رسمية أو مرور عبر الجهات الأمنية ما يؤدي إلى غياب التحقق من هوياتهم وهو ما تسبب في ارتفاع معدلات بعض الجرائم داخل المجتمع مثل السرقة والخطف والقتل إلى جانب ظهور سلوكيات لم تكن مألوفة في المجتمع الليبي".

وأضافت أن "هذه الظاهرة ساهمت أيضًا في تعقيد الوضع الاقتصادي من خلال تحويل الأموال بطرق غير منظمة عبر مكاتب الصرافة، فضلًا عن تأثيرها على سوق العمل، حيث يضطر بعض أصحاب الأعمال إلى تفضيل العمالة الأجنبية بسبب انخفاض أجورها ما يحدّ من فرص تشغيل الشباب الليبي".
وأشارت إلى أن "هناك عدة أزمات متداخلة نتجت عن هذا التدفق من بينها الضغط على الخدمات العامة ونقص السيولة وغياب آليات واضحة لمتابعة أو إحصاء أعداد المهاجرين ما يجعل التعامل مع هذا الملف أكثر صعوبة".
تونس وليبيا توقعان اتفاقا لتبادل اليد العاملة... هل يفتح الباب أمام سوق عمل مغاربية مشتركة؟
كما انتقدت منسقة حراك "نشطاء طرابلس لا للتوطين"، دور بعض المنظمات الدولية متهمة إياها بتجاوز اختصاصاتها من خلال توفير فرص عمل أو تسهيلات قد تفهم على أنها خطوات نحو توطين المهاجرين رغم أن ليبيا، بحسب قولها، ليست دولة موقّعة على اتفاقيات اللجوء وهو ما يثير مخاوف من تحولها من دولة عبور إلى دولة استقرار.
وأكدت الشعاب أن استمرار هذا الوضع "قد يؤدي إلى تغييرات في التركيبة السكانية وهو ما يرفضه عدد من الليبيين، خاصة في ظل تردي الخدمات الأساسية والبنية التحتية وضعف القطاع الصحي والتعليمي وعدم قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها".

كما لفتت إلى تزايد حالة القلق لدى المواطنين نتيجة شعورهم بعدم الأمان والخوف على ممتلكاتهم وأسرهم في ظل وجود أعداد كبيرة من أشخاص غير معروفي الهوية.

وختمت الشعاب حديثها بالتأكيد على ضرورة تنظيم دخول الأجانب إلى ليبيا، وفق القوانين عبر إجراءات رسمية واضحة، داعية إلى ترحيل المخالفين الذين لا يحملون أوراقًا قانونية أو لا تتوفر لهم فرص عمل مع التشديد على أهمية حماية سيادة الدولة وتطبيق القوانين بما يحفظ أمن البلاد واستقرارها.
مناقشة